.
.
.
.

جزيرة تايوان.. بين فخ ثيوسيديدس وكعب أخيل

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

هل تضحي تايوان كعب أخيل آسيا عامّة والصين بنوع خاصّ؟

ترتفع علامة الاستفهام هذه في سماء العالم في الأيّام الأخيرة، لاسيّما بعد أن تعهّد الرئيسُ الصينيّ، شي جين بينغ، بتحقيق "إعادة التوحّد" مع تايوان بشكل سلميّ.

بينغ، وفي حديثه في قاعة الشعب الكبرى ببكين، قال إنّ الشعب الصينيّ لديه "عادة مجيدة" تتعلّق بمعارضة النزعة الانفصاليّة، وإن انفصال تايوان هو أكبر عقبة أمام تحقيق إعادة توحيد الوطن الآمن وأكبر خطر على تجديد شباب البلاد.

هل يصدّق العالم بينغ وحديثه عن إرجاع تايوان إلى حضن الصين بطرق سلمية؟ ثم وهذا هو الأهم هل أهل تايوان راغبون بالفعل في الانضمام إلى الصين مرّة أخرى بعد أن انفصلوا عنها في أربعينات القرن الماضي، ما يعني أنّ الذين وُلِدوا وقت الانفصال يبلغون من العمر نحو ثمانين عامًا هذه الأيّام؟

تبدو الأجواءُ فوق تايوان محمَّلة بغيوم كثيفة ومخاوف من الوصول إلى نقطة الرؤوس الساخنة واشتعال المعركة التي يمكن أن تكون وقودًا لمواجهة عالميّة وليس محليّة فحسب، وبخاصّة بعد تصريحات وزير الدفاع التايوانيّ، تشيو كو تشينغ، الأخيرة والتي أكّد فيها على أنّ التوتّر العسكريّ مع الصين عند أسوأ مستوياته في أكثر من 40 عامًا.

الوزير التايوانيّ يتحدّث بالتصريح لا بالتلميح؛ فقد شاهد العالم أعدادًا قياسيّة من الطائرات الصينية المتقدّمة تحلّق في منطقة الدفاع الجوي للجزيرة، وعنده أنّ الصين ستكون قادرة بالفعل على غزو تايوان بحلول عام 2025، رغم أنّها تمتلك القدرة على فعل ذلك الآن، لكنّه يتعيّن عليها أن تضع في الحسبان أشياء أخرى كثيرة.

ماذا عن تلك الأشياء؟ ولماذا تُصِرّ الصين على إرجاع جزيرة تايوان؟

تحتاج القصّة إلى الرجوع نحو قرن من الزمان أو أكثر قليلاً، إذ تقول تايوان إنّها دولة مستقلّة تُسمّى جمهورية الصين، وهو اسمها الرسمي، وتأسّست جمهورية الصين في 1912، وفرت حكومتها إلى تايوان في 1949 بعد هزيمتها في حرب أهليّة مع الشيوعيّين الذين أسّسوا جمهوريّة الصين الشعبيّة المعروفة حاليًّا.

ترفض الصين الحاليّة فكرة الاستقلال التايوانيّ، ولهذا يقول الرئيس بينغ: "يجب ألّا يستخفّ أحد بالعزيمة الصلبة للشعب الصينيّ وإرادته الراسخة وقدرته القويّة على الدفاع عن السيادة الوطنيّة ووحدة أراضيه. يجب تحقيق الواجب التاريخيّ بإعادة التوحيد الكامل للوطن الأم وسيتحقّق بالتاكيد".

ومن جديد تدور علامة الاستفهام؛ إذ كيف يمكن أن تتحقّق العودة السلميّة التي يتحدّث عنها بينغ في ظلّ تناقض جوهريّ في المواقف الصينيّة، التي تبدّى من خلال تصريحات بينغ ولغته، ذلك أنّه في عام 2019 تعهّدَ بـ"تحطيم أيّ محاولات للاستقلال الرسمي"، كما هدّدَ بشكل مباشر باستخدام القوّة لإخضاع الجزيرة تحت سيطرة بكين.

وصلت الإشارة العسكريّة إلى أهل تايوان من خلال الغارات الجويّة الصينيّة الوهميّة الأسابيع الماضية، ما دعا تايوان إلى مراجعة إنفاق عسكري خاصّ أمام البرلمان بقيمة 240 مليار دولار تايوانيّ (8.6 مليار دولار) على أسلحة محليّة الصنع تشمل صواريخ وسفنًا حربيّة.

والشاهد أنّ جزيرة تايوان والتي تدعمها الولايات المتّحدة الأمريكيّة وتعدّ مورّدها الرئيس للأسلحة تعد خنجرًا في خاصرة الصين، الأمر الذي يعني أنّ فكرة استقلاليّتها أو تبعيّتها بشكل أو بآخر لواشنطن هو أمر لا يمكن أن تمضي به المقادير، وبخاصّة في ظلّ التنافس الواضح للعيان بين الصينيّين من جهة والأمريكيين من جهة على زعامة العالم.

في هذا السياق يكاد المرء أن يتوقّع تحوّل جزيرة تايوان إلى فخّ ثيوسيديديس بالنسبة لواشنطن وبكين بنوع خاصّ، وكعب أخيل بالنسبة لآسيا بوجه عام؟

باختصار غير مخلٍّ، يُقصَد بفخّ ثيوسيديدس، الخوف من تنامي قوة عسكرية ما جديدة تبثّ الرعب في القوة القديمة، ممّا يتسبب في نشوب حرب، الأمر الذي حدث قبل الميلاد بعدّة قرون حين تنامت قوة أثينا ما تسبب في مخاوف في إسبرطة، الأمر الذي قاد إلى حرب طويلة بين الجانبَيْن، وتوقّف عنده المؤرّخ اليونانيّ ثيوسيديديس بالتفصيل.

أما كعب أخيل، فيُقصَد به نقطة الضعف الكبرى في أيّ كيان سياسي يمكن أن تنفذ منه سهام التدمير والتفكيك من الداخل قبل الخارج.

فكرة فخّ ثيوسيديديس التايوانيّ، رصدتْها صحيفة التايمز البريطانيّة مؤخَّرًا والتي أفردتْ تقريرًا واسعًا يعتبر أنّ قوّة الصين العسكريّة المتنامية قد تغريها بغزو تايوان خاصّة بعد الانسحاب الفوضويّ والمرتبك من أفغانستان وبما عرّى مفاهيم القوّة الأمريكيّة المطلقة، وألقى بظلال من الشكّ على استعداد واشنطن للدفاع عن حلفائها.

تدرك واشنطن التوجّهات الصينيّة بالنسبة لتايوان، ولهذا مخطئ مَنْ يظنّ أنّ الأمريكيّين يقفون عاقدي الأذرع على الصدور في انتظار الغزو الصينيّ المحتمَل لتايوان؛ فقد كشفتْ حادثة بعينها عمّا يجري في الخفاء بين القطبين المتناحرين، القائم والقادم.

الحادث الذي نشير إليه تمثّل في اصطدام غواصة نوويّة أمريكية بالقرب من جزيرة غوام في المحيط الهادي بجسم صلب مما تسبب في إصابة بضع عشرات من رجال البحريّة الأمريكيّة.

وعلى الرغم من التكتّم الأمريكيّ الشديد على ما جرى، ومطالبة الصين المتكرّرة بكشف أبعاد الأمر، إلا أنّ الجميع يدرك أن هناك علاقة ما بين الحادث وبين تطوّرات المشهد في تايوان.

في هذا الصدد يتفهّم المرء ما أشارت إليه صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية، والتي كشفت عن أنّ "عسكريّين أمريكيّين درّبوا الجيش التايوانيّ سرًّا لمدّة عام على الأقلّ، من أجل تعزيز دفاعات الجزيرة ضدّ أي غزو صينيّ محتمل".

أما التايمز البريطانية، فقد علّقتْ بالقول إنّ واشنطن أرادت من خلال تسريبها خبر الوجود العسكريّ الأمريكيّ في تايوان إيصال رسالة لبكين حول عزمها على الوقوف إلى جانب الجزيرة ذات الحكم الديمقراطيّ التي تسعى الصين لضمّها إلى أراضيها.

تتسارع الأحداث بدرجة مثيرة للقلق، لا سيّما في ظلّ دعوات داخليّة صينية لقصف من وُصِفوا بـ"الغزاة" الأمريكيين في تايوان، فقد اقترح رئيس تحرير صحيفة وطنية صينية ناطقة باللغة الإنجليزية، القيام بضربات جوية لأفراد الخدمة الأمريكيّة المتمركزين في تايوان.

الدعوة الصينيّة الصحافيّة قد تكون مجازية غير قابلة للتنفيذ، ذلك لأنّها تعني بشكل مباشر إعلان الصين الحرب على الولايات المتحدة، لكنّها بحال أو بآخر تعكس مكنونات صدر الصينيّين وتوجّهاتهم للوجود الأمريكيّ لا في تايوان فحسب، بل في عموم مياه المحيط الهادي.

ولعلّه من نافلة القول إن التصعيد الصيني تجاه تايوان جاء مواكبًا لنشوء وارتقاء حلف الأوكوس الجديد بين أمريكا وبريطانيا وأستراليا. وقد رَدّت الصين بشكل شبه رسميّ على أنّها مستعدّة لاستخدام سلاحها النوويّ ضدّ أستراليا حالَ شعرت بالتهديد.

على أنّ جزئيّة ما في تصريحات وزير الدفاع التايوانيّ تلفت الانتباه؛ إذ أشار إلى أنّ الصين رغم استعدادها العسكريّ لغزو تايوان في الحال إلا أنّها لن تفعل ذلك إلا في عام 2025 فما هو السرّ؟

باختصار غير مخلٍّ، هناك من يراهن على أنّ أمريكا ستتعرض في 2024 أي موعد الانتخابات الرئاسيّة القادمة إلى حالة من الفوضى غير المسبوقة، وقد تكون قريبة من حرب أهليّة أو انقلاب عسكريّ، والعهدة هنا على عدد من الرواة، من عند جورج فريدمان وصولاً إلى روبرت كاغان مؤخرًا، وساعتها سوف تستغلّ الصين حالة الضعف الأمريكيّ وعدم مقدرة واشنطن على التنازع والتشارع فضلاً عن الدخول في حرب مع الصينيّين.

وفي كلّ الأحوال، يدرك الأمريكيّون ذلك، ولهذا ربّما يحاولون النفاذ إلى قلب آسيا من خلال تايوان، وعبر فكرة تصدير الإشكاليّات التي تصل إلى حدّ التناحر الداخلي أو البينيّ.

هل مسألة الغزو الصينيّ لتايوان مجرد وقت؟
ربما يكون ذلك كذلك، وقد يبدأ الأمر بحصار صينيّ على تايوان يقطع عنها حوالي ثلثَيْ طعامها و100% من إمدادتها من الطاقة من الخارج.

وفي كلّ الأحوال، تبدو أمريكا في اختبار صعب، فهل تدخل حربًا نوويّة من أجل تايوان أم تضحّي بها وتسمح بسقوط تلك الديمقراطية النابضة بالحياة، ما يفقد حلفاء واشنطن الثقة فيها ويعود بنا إلى مربع القول إنّ واشنطن تشبه الأرباب دائمي الخُذلان لعُبّادهم؟
دعونا ننتظر ونَرَى ما تجري به المقادير عمّا قريب.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.