.
.
.
.

لماذا لم يحدث ما حدث؟!

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

كان طبيعيا أن يربط الرئيس السيسي في كلمته أمام الندوة التثقيفية للقوات المسلحة احتفالا بنصر أكتوبر ١٩٧٣ بين العبور الكبير قبل ثمانية وأربعين عاما من الهزيمة إلى النصر، والعبور الحالي للدولة المصرية من التخلف إلي التقدم. العلاقة منطقية استوجبت الحشد والتعبئة والعلم والابتكار والإبداع الفكري والاستراتيجي. وكان طبيعيا أيضا أن تكون موضوعا لكثير من المنتديات التي تناولت الذكري العطرة، ومن بينها كان لقاء لستة من المفكرين وأصحاب الرأي كنت بينهم في الحلقة الأولي من برنامج المشهد على قناة «تن» الذي يقدمه الأستاذان عمرو عبد الحميد ونشأت الديهي. لم تكن هناك صعوبة في أن يقوم الأساتذة عبد القادر شهيب وفريدة الشوباشي وسليمان جودة وأكرم القصاص ود.خالد عكاشة بالتعرض لهذه العلاقة العضوية بين مرحلتين من التاريخ المصري كان فيها ولا يزال الكثير من الدهشة والإعجاب والاعتزاز والفخر بما فعل وأنجز المصريون. ما ظل غائبا أو غائما ويحتاج حديثا آخر هو الإجابة عن السؤال إذا كان المصريون قادرين على تحقيق كل ذلك، فلماذا لم تكن حرب أكتوبر ونتائجها من تحرير للأرض المصرية واسترداد مصر لكرامتها المجروحة بداية لتحقيق ما يجري حاليا علي أرض المحروسة؟ المؤكد أن الحرب ولدت طاقة هائلة لا تقل عن تلك الطاقة التي تولدت عن ثورة ٣٠ يونيو٢٠١٣، وكان لدينا قيادة الرئيس السادات الحكيمة والمطلعة على تقدم الأمم، وكان لديه الكثير من الأفكار والمبادرات التي تشير إلى توجهات وتضع أسسا للكثير مما نشاهده ونعرفه اليوم عن الخروج من الوادي الضيق إلي الوطن الفسيح، ومن النهر الخالد إلي البحار الواسعة. صحيح أن الرئيس السادات وضع الكثير من العلامات التي عرفناها في مدن صناعية، وأخري حضرية، وكان لديه الكثير من أحلام تعمير سيناء، وربما كان هو من وضع بذور أنه قد آن الأوان لمصر أن تنتقل من عمليات إدارة الفقر إلى إدارة الثروة.

ما حدث فعليا خلال السبعينيات من القرن الماضي أن الرئيس المنتصر تعرض للكثير من المعارضة القاسية التي بدأت بالشك العميق في إمكانية الحرب، وعندما حدثت وجاءت المفاجأة على النخبة المصرية كما حدثت على إسرائيل والعالم كله، إذا بالمعارضة تأخذ جانب المزايدة علي الرئيس في استراتيجيته لاسترداد الأراضي المحتلة، وأكثر من ذلك حل الصراع العربي الإسرائيلي لتحقيق استقرار في منطقة استعصت كثيرا على الاستقرار. كان هناك الكثير من الشكوك والمزاعم حول أن تكون اتفاقيات الفصل بين القوات نهاية الانسحاب الإسرائيلي، وباتت اتفاقيات كامب دافيد التي وضعت الأساس للكيان السياسي الفلسطيني لأول مرة في التاريخ، نوعا من تصفية القضية المركزية. وعندما استجاب الرئيس للمناخ العالمي خاصة في آسيا بعد انتهاء الحرب الفيتنامية بوضع سياسة الانفتاح الاقتصادي التي وضعت البذور الأولي لانطلاق الصين ودول النمور والفهود الآسيوية، خرج اليسار المصري بأشكال مختلفة فيما سمي مظاهرات الخبز معبئا الجماهير المصرية في ١٨ و١٩ يناير ١٩٧٧ لكي تضع نهاية مبكرة لإصلاح النظام الاقتصادي المصري علي أسس حديثة. وبعدها وعندما توصل الرئيس السادات إلي اتفاقية السلام مع إسرائيل، وبدأت نتائج الانفتاح في الظهور من خلال معدلات غير مسبوقة للنمو كانت النتيجة هي اغتيال الرئيس. استشهد الرئيس السادات علي يد اليسار واليمين معا، الأولون حاصروه سياسيا وبذلوا جهدا فائقا في نزع الشرعية عنه بادعاء أن الانفتاح كان سداح مداح، والآخرون أطلقوا الرصاص. وبغض النظر عن مدي الحكمة في قرارات الرئيس بالإفراج وإتاحة المساحة لجماعة الإخوان وغيرها، فإن العقد غير المقدس الذي جري بين اليسار واليمين شكل عقبة كبيرة أمام انتهاز الفرص التي أتاحتها حرب أكتوبر والجلاء الإسرائيلي عن الأراضي المحتلة.

السبعينيات ولدت في الثمانينيات عقدتين: الأولي أن تتكرر أحداث مظاهرات الخبز مرة أخري، والثانية أن يتكرر اغتيال الرئيس السادات. وعندما دعا الرئيس مبارك إلي عقد مؤتمر اقتصادي، فإن غلبة الاقتصاديين اليساريين على المؤتمر نتج عنها دعوات العودة إلي سياسات لا تختلف كثيرا عن سياسات الستينيات القائمة علي المركزية وإدارة الفقر التي بدأت الدول النامية في آسيا التخلص منها. باتت محاولات الإصلاح مترددة وخجولة ومركزة على خطوات رغم أهميتها مثل تخفيض وفيات الأطفال، ووفيات الأمهات وقت الميلاد، واستكمال مدن جديدة، فإنها في النهاية لم تقد إلى نهضة متكاملة. ومرة أخري ونتيجة الأداء المشرف الذي قامت به مصر بقيادة الرئيس مبارك خلال حرب الخليج برزت أمام مصر فرصة أخري لامتلاك عصا التقدم، ومن ثم جري اتفاق آخر مع صندوق النقد الدولي، ودفعت مصر في اتجاه سلام المنطقة بعقد مؤتمر مدريد. الإصلاح في مصر والسلام في المنطقة كان هو الذي وضع بداية للانتعاش في البلاد، وأعطي الفلسطينيين فرصة وجود السلطة الوطنية الفلسطينية على الأرض الفلسطينية.

ومرة أخري جري التحالف غير المقدس بين اليمين واليسار على معارضة السلام الذي صار باردا، والضغط بالإرهاب تارة، والتهديد بالانفجار الجماهيري مرة أخري لكي تبدأ مصر القرن الحادى والعشرين وقد تراجعت كثيرا في المراتب الدولية. وفي السنوات الأخيرة للرئيس مبارك جرت محاولة أخري للإصلاح كان لها بوادر قوية للنجاح، ولكن زمن الانتظار للإصلاح طال كثيرا، وزاد السكان بأكثر مما تستطيع التنمية أن تستجيب، ولم يعد العالم على استعداد لقبول نظم ودول أياديها مترددة عند اتخاذ خطوات وقرارات شجاعة. جرت في مصر ثورتان، واحدة أخذت البلاد إلى حكم الإخوان، والثانية جمعت بين طاقات الأولي وطاقات الثانية، وهذه المرة كان لها مشروع طموح وشجاع وهو ما يجري تطبيقه حاليا. ضاع علينا وقت كثير، ويجب ألا يضيع وقت آخر!.

نقلاً عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.