.
.
.
.

تحديات عاجلة على قيس سعيد أن ينتبه إليها

الحبيب الأسود

نشر في: آخر تحديث:

بعد أداء القسم، وانطلاقها إلى العمل، سيكون على الرئيس قيس سعيد أن يوجه حكومته للبدء بقوة في ملامسة هموم المواطن التونسي المحروم والمظلوم والمهموم، والذي لم يعرف خلال السنوات العشر الماضية إلا المعاناة اليومية مع الخدمات والأسعار ومتطلبات الحياة، بعد أن تغوّل الفاسدون والمحتكرون واللصوص والمرتشون والانتهازيون المتكرشون ممن استفادوا من ظاهرة “السداح مداح، وكل شيء مباح” في ظل 15 حكومة وعشرة رؤساء حكومات، كان من بينهم العاجز عن الإصلاح والمندمج في منظومة الحرب عليه، وتحت غطاء منظومة حكم جاءت من هامش الحياة السياسية أو من خارجها لتخضع لنزعة الحزبية العقائدية المشوهة أو الشركات الحزبية المموهة أو المصلحة الذاتية المتاجرة بكل القيم الأخلاقية والاجتماعية والمستفيدة من حالة الانفلات العام للترويج لنفسها في إطار فاسد وموبوء تجسّد بالخصوص في برلمان تباع وتشترى فيه الولاءات وتعقد فيه الصفقات مع من يدفع أكثر.

على الرئيس سعيد، وهو يقود مرحلة انتقالية جديدة وفق تدابير استثنائية فرضتها ظروف مأزومة على كل الصعد، أن يواجه واقعا صعبا حتى يكون في مستوى تطلعات مناصريه وأغلبهم من المتطلعين لغد أفضل بعد أن دفعوا ثمنا غاليا لانهيار الدولة خلال العقد الماضي، وهم ليسوا في الأساس من الفقراء والمحتاجين والعاطلين عن العمل وفاقدي الأمل والمدافعين عن الوطنية التونسية وعن الدور الاجتماعي للدولة ومن يريدون التحصن برقابة السلطة في مواجهة العصابات واللوبيات والعابثين بقوت المواطن ومن أصبحت لهم اليد الطولى في كل المجالات بعد أن توافقت مصالحهم مع مصالح من كانوا يشكلون مراكز النفوذ السياسي والمالي والاقتصادي.

وعلى الرئيس سعيّد أن يعلم أن الفساد عمّ كل المجالات، وأن التدمير الممنهج للدولة منذ العام 2011 جعل كل القطاعات تقريبا في أيدي مافيات تعبث بها، وتحصّل من ورائها الملايين، في حين ضاقت الحياة على المستهلك، وأصبح عليه أن يتعايش مع وضع غير طبيعي تتحكم فيه القطط السمان والحيتان الكبيرة، فحتى القطاعات التي كانت محكومة بالقوانين خرجت عليها، وتجاوزتها إلى سقف التلاعب بها علنا. وإذا كان هذا الوضع قد أضرّ بالطبقة الوسطى والموظفين الحكوميين، فإنه أصاب في مقتل الملايين من العمال اليوميين والعاطلين عن العمل وضعاف الدخل وفاقدي السند.

وعلى الرئيس سعيّد أن يعرف أن السنوات العشر الماضية حوّلت الفساد إلى نمط حياة للمجتمع وجعلت منه جزءا أصيلا من السلوك الفردي والجماعي لنسبة طاغية ممن يمتلكون السلطة المادية والمعنوية مهما كانت درجات وظائفهم، وأن هذا الوضع إساءة لجوهر العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وأفقد الشعب الثقة في السلطة، وكرّس الانتهازية والابتزاز والاستغلال كمفاهيم للعلاقات المصلحية بين الأفراد تحت غطاء الدولة، حيث بات من الصعب على المواطن أن يدير شؤونه ويقضي حاجاته ويواجه المآزق التي قد تعترضه، دون أن يقدم رشوة أو يستظهر بواسطة، وهي ظاهرة وإن كانت موجودة في كل العهود، إلا أنها انتشرت بشكل واسع خلال السنوات الماضية.

ويرى المتخصصون أن المحتكرين يمعنون في ممارساتهم، لأنهم لا يضطرون إلى التنافس مع مزودين بدلاء، ولذلك يميلون إلى إبقاء أسعارهم مرتفعة ولا يجبرون على تحسين جودة السلع أو الخدمات التي يقدمونها من قبل قوى السوق التي كانت ستعمل إذا كانت لديهم منافسة كبيرة، فجزء لا يتجزأ من تلك الأسعار المرتفعة هو أيضا التكاليف غير القانونية للمعاملات الفاسدة التي أصبحت ضرورية لإنشاء مثل هذا الاحتكار، وبالتالي فإن المحتكر هو قاطرة تقود عربات وراءها من المستفيدين منها مقابل مساعدتها على الاستمرار في أداء دورها بعيدا ليس عن أعين الرقابة والقانون وإنما عن الملاحقة والعقاب.

على الرئيس سعيّد أن يدرك أن الفقراء والمحرومين في المناطق الداخلية يفتقدون إلى أغلب السلع المدعّمة كالزيت النباتي والسكر والسميد، ولم يعد بوسعهم تناول الفاكهة ولا حتى لحوم الدواجن، بل ويجدون صعوبة في اقتناء الخضار، فالأسعار من نار، والمحتكرون يعبثون بالقدرة الشرائية للمواطن المسكين، وهناك عصابات قد تكون منخرطة في إطار خطة لإثارة غضب مناصريه، فالتونسي البسيط لا تهمه الشعارات الفضفاضة ولا الوعود البرّاقة ولا الخطابات الرنّانة بقدر ما تهمه حاجيات الحياة اليومية له ولأطفاله.

وعلى الرئيس سعيّد أن ينتبه إلى أن تونس الواحدة تحولت إلى دويلات تدار من قبل سلطات محلية يبدو جانب كبير منها مارقا على عقيدة الدولة، وخارجا عن ثوابتها الثقافية والحضارية عبر محاولة تكريس نماذج وافدة من وراء الحدود بخلفيات فكرية وعقائدية ليست لها جذور في البلاد، وإنما تنبني على أساس القطع مع تاريخ الدولة الوطنية وخصوصياتها، وهو ما يمثل خطرا ليس على الراهن فقط، وإنما كذلك على الأجيال القادمة وعلى قيمة الولاء لتونس أولا.

وعلى الرئيس سعيّد أن يلاحظ أن الاقتصاد في بلاده خاضع لعصابات تسيطر عليه بالتوافق في ما بينها، فالتنافسية المعتمدة في الاقتصادات الحرة والتي عادة ما يستفيد منها المستهلك غير موجودة في تونس، كون أغلب المؤسسات تتفق في ما بينها على رفع الأسعار في وقت واحد لإجبار المواطن على التعامل معها دون منحه فرصة الاختيار لما ينسجم مع إمكانياته، وهو ما يمثّل شكلا من أشكال الاحتكار المقنّع، وليس وفق قاعدة العرض والطلب، وهذا ما نراه اليوم بدءا من شركات اللحوم البيضاء والمياه المعدنية وصولا إلى شركات الاتصال.

وعلى الرئيس أن يخرج قليلا إلى الأرياف والقرى والمدن الداخلية، حيث أدى الفساد وسوء التدبير من قبل السلطات المركزية وإدارات الحكم المحلي إلى دمار غير مسبوق للبيئة ولاسيما بسبب النفايات المستحدثة، ومنها الأكياس البلاستيكية، التي تبدأ كوقود أحفوري وينتهي بها الأمر كنفايات قاتلة حيث تزيد من انبعاث غازات الاحتباس الحراري بما يلوّث الهواء، مما يؤدي إلى تفاقم أزمة المناخ التي غالبا ما تؤثر بشكل غير متناسب على الصحة والحياة العامة.

هذا غيض من فيض لمشاكل يومية، يجب أن لا يغطي علينا حقيقة مهمة، وهي أن الرئيس والحكومة لن يستطيعا إخراج البلاد من النفق إن لم يكونا مستندين إلى قوى فاعلة على الأرض، قادرة على أداء أدوار توعوية وتثقيفية منسجمة مع مشروع الدولة الوطنية وعلى تحصين المجتمع وحمايته من مفاجآت الفراغات المباغتة، فمشروع الرئيس يتطلب تحالفات عميقة ومصيرية مع أحزاب ومنظمات ومجتمعات محلية مقتنعة به أو على الأقل تتقاطع معه في جملة من الأهداف، وإلا فإن أعداء المشروع سينفردون به بالاعتماد على أدواتهم المتحركة على جميع المستويات، وسيكون أول أهدافهم أن يقنعوا مناصريه بعدم جديته وجدواه، ولو عبر العبث بالأسواق واللعب بالأسعار وتخريب الخدمات وتحويل الأمل إلى إحباط لا ينتج عنه سوى السلوك العدواني نحو الدولة والمجتمع.

نقلا عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.