.
.
.
.

أكتوبريات!

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

٦ أكتوبر ١٩٧٣: فى الساعة العاشرة صباحًا استدعانى المقدم جمال حفيظ، قائد الكتيبة ٦٥٤ م. م. م. د، (مقذوفات موجهة مضادة للدبابات، وتُعتبر آنذاك أكثر الوسائل تقدمًا لمواجهة المدرعات، وتتميز بالمرونة الشديدة فى مواجهة مواقف متنوعة، وهى عبارة عن صاروخ فى مقدمته عبوة انفجارية قادرة على اختراق وتدمير دبابة، وهو متصل بوسيلة توجيه تماثل تلك المتصلة بالألعاب الإلكترونية، ويمكن تركيبها على عربات جيب وأخرى مدرعة؛ وكانت كتيبتنا من هذا النوع الأخير). أخبرنى القائد أنه سوف يذهب إلى اجتماع فى قيادة الفرقة ١٦ مشاة، التى كان علينا الالتحاق بها ساعة بدء الهجوم؛ وكانت تلك أولى الإشارات التى يجب علىَّ تسجيلها. كنت رقيبًا عضوًا فى جماعة الاستطلاع فى الكتيبة بتخصص الحرب الكيماوية والإشعاعية، مضافًا إليه تسجيل وقائع الحرب بأوامرها وعملياتها وتحركاتها. بعد ساعة تقريبًا عاد القائد، ومعه أمر القتال، واستقر الأمر على أنه سوف يتم إبلاغ السرايا والفصائل والجنود فى الساعة الواحدة، وهو ما حدث مع خطاب من القائد حدد فيه ما سوف نفعله بالتفصيل بين الوحدات الواقعة على السد الترابى ساعة عبور قوات المشاة، والوحدات التى سوف تصطف ساعة السماح بالعبور. جاءت المشكلة الأولى فور الإعلان عن قائد المؤخرة، التى سوف يبقى فيها مَن سوف يحرس قيادة الكتيبة وباقى قدراتها التى لن تشارك فى العبور. انفجر النقيب فى مزيج من الدمع والصراخ عما سوف يقول لـ«تامر»، (ابنه)، فيما بعد عندما يعرف أنه فى ساعة العبور لم يكن والده من العابرين. انتهت الأزمة عندما أعيد ترتيب الأمور لكى يلحق الضابط باللحظة التاريخية، وبالفعل كان ممن أبلوا بلاء حسنًا وجُرح فى المعركة، وشُفى. المشكلة الثانية كانت أصعب، فلم يكن الاتحاد السوفيتى قد أعطانا بعد العربات التى يتم شحن بطاريات اللاسلكى فيها من خلال الحركة، كان علينا القيام بشحن البطاريات، وهى عملية تستدعى بضع ساعات، حتى إذا وجدنا أنه نتيجة التدافع على الشحن خلال الساعات الأخيرة لم تحصل البطاريات على ما يكفى، تم حل هذه المشكلة ساعتها بوسائل عبقرية!.

١٧ أكتوبر ٢٠٢١: أصبحنا فى الأسبوع الثانى من الحرب. كنا قد انتظرنا طويلًا فى طابور العبور اعتبارًا من الساعة الثامنة فى اليوم الأول. كانت للحرب أولوياتها، فقد عبر المشاة، ولكن القادة كانوا مُصِرِّين على عبور المدرعات الثقيلة بسرعة حتى تكون هناك جلود سميكة وصلبة تحمى جلود البشر الشجعان. لم يظهر ضوء النهار إلا وكنا على الناحية الأخرى من قناة السويس، وفى عربة القيادة الجيب كان رئيس العمليات، الرائد محمد عبدالوارث، مصممًا على أن الكوبرى الذى عبرنا عليه أكثر سحرًا ورومانسية من كوبرى قصر النيل. أثناء العبور وبعده بدأت الكتيبة أعمالها فى القنص، وكانت حصيلتها ٥٤ آلية مدرعة، كانت منها ٤٠ دبابة. أصعب الأيام جاء يم ١٣ أكتوبر مع عملية تطوير الهجوم، والحقيقة أنه كان علىَّ أن انتظر أعوامًا لكى أعرف تفاصيل هذا اليوم أثناء إعدادى رسالة الدكتوراه عن الحرب.

١٧ أكتوبر ٢٠٢١: مضى على حرب أكتوبر ٤٨ عامًا، تعلمنا فيها دروسًا كثيرة، لم يكن استرداد الأرض سهلًا ولا سلسًا، فلم تكن مفاوضات الانسحاب الإسرائيلى بالأمر الهيِّن، ولا كانت معركة السلام هيِّنة، فقدت مصر قائدها العظيم، الذى لم تكن معركته واقعة فقط مع إسرائيل، وإنما مع التخلف وتراجع المكانة المصرية. كان المشروع الوطنى المصرى صاعدًا مع حرب أكتوبر، التى بدونها لم تكن لتقوم قائمة، وحدث الجلاء بشجاعة الرجال فى الحرب ودهاء الدبلوماسية وبطولة التحكيم. ولكن قوى كثيرة تدافعت لكى تأخذ المشروع عنوة إلى ماضى الستينيات، والأخطر إلى ماضٍ كان قبل أكثر من ألف عام. وبينهما ساد الكثير من التردد، ومقابل كل خطوة إلى الأمام كانت هناك خطوات إلى الخلف، واتسعت المسافة بين مصر والعالم مع بدء الألفية الثالثة. ثورتان أطلقتا طاقات هائلة اجتاحت فى النهاية سطوة الإخوان، وبدأت فى انطلاق آخر للمشروع الوطنى. ظل العالم يتذكر حرب أكتوبر، مرة لأنها حوّلت قدرات دفاعية مثل صواريخ كتيبتنا إلى أدوات هجومية، مثل صواريخ الدفاع الجوى التى أشرفت على كبرى عمليات العبور العسكرى منذ الحرب العالمية الثانية، ومثل الصاروخ البحرى الذى ضرب المدمرة إيلات من قبل. ومرة أخرى لأنها كانت الحرب التى أعلنت فيها الولايات المتحدة حالة التعبئة النووية «DefCon3»، التى لم تحدث منذ أزمة الصواريخ الكوبية. كان العالم كله واقفًا على قدميه لأن مصر عرفت كيف تتخذ قرارات شجاعة وصعبة.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة