.
.
.
.

فرض عين

حمدي رزق

نشر في: آخر تحديث:

«مصر ماضية فى مهمتها لبناء الوعى وتصحيح الخطاب الدينى، وهى مسؤولية تضامنية وتشاركية تحتاج إلى تضافر جميع الجهود لنبنى معًا مسارًا فكريًا مستنيرًا ورشيدًا يؤسس شخصية سوية وقادرة على مواجهة التحديات وبناء دولة المستقبل». (من كلمة الرئيس السيسى خلال احتفال وزارة الأوقاف بالمولد النبوى الشريف).

لا يدع الرئيس السيسى مناسبة دينية أو فكرية إلا وشدد على أهمية تجديد الخطاب الدينى، القضية التى تتصدر اهتمامات الرئيس، لأهميتها القصوى فى تنقية الخطاب الدينى المعاصر مما علق به من أفكار مغلوطة.

معلوم، الخطاب الدينى يعانى من جملة أمراض مزمنة وسارية ومتوطنة تحتاج إلى جهد مخلص وفكر منفتح يرنو إلى رسالة الدين السامية فى رقى المجتمعات وتخليصها من أدرانها، والسعى حثيثًا لتبوؤ الخطاب الدينى الصحيح مكانته فى عالم تلاقح الأفكار الداعية إلى الحرية الفكرية والدينية والتسامح وقبول الآخر.

الرئيس يجدد دعوته، وفى مولد الهدى، صلى الله عليه وسلم، ويطلقها مسؤولية تضامنية وتشاركية تحتاج إلى تضافر جميع الجهود لنبنى معًا مسارًا فكريًا مستنيرًا ورشيدًا.

لعل وعسى نصيب مغنمًا، ونلحق بما فاتنا، أضعنا سبع سنوات سِمَانًا، كنا أولى بها زراعة للأفكار الصحيحة، لكان الحصاد الوفير، السيسى أطلق دعوته لأول مرة فى «ليلة القدر» فى (٢٤ يوليو ٢٠١٤)، وألحَّ عليها إلحاحًا حميدًا فى (١٦) مناسبة، آخرها وليس بآخر خلال مؤتمر الأزهر لتجديد الفكر الإسلامى (٢٨/٢٧ يناير ٢٠٢٠)، ولايزال ينادى.

تجديد الخطاب الدينى بمثابة «فرض عين»، وفرصة وسنحت، وخير البر عاجله، واليوم لا ينفع الندم، الندم لا يؤدى إلا إلى إبقائنا عالقين فى فخ الماضى، معلوم البعض يتعمد أن يكسر الكأس ويسكب اللبن كى يمارس هواية البكاء على اللبن المسكوب، ولكن الرئيس يحدوه ويحدونا الأمل فى نقلة نوعية فى الخطاب الدينى.

الثابت أن تحقيق حديث رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا»، ما يستبطنه الرئيس أن التجديد المرتجى سيكون مؤسسيًا وليس شخصيًا، عبر مؤسسات التفكير والتجديد فى إطار الدولة المدنية، يركز على دور المؤسسة الدينية المصرية بما لها من تاريخ فى الوسطية والاعتدال الفكرى.

أخشى دعوة السيسى التجديدية تشبه زهرة «يَثْمَة جريسية» من الزهور النادرة، تنمو بين الصخور والمنحدرات، دعوة السيسى لم تتوفر لها أسباب الإزهار كافية، ولكنها دعوة محمية بإرادة رئاسية، وإصراره واضح جلىّ للعيان.

دعوة السيسى لتجديد الخطاب الدينى لم تكن طقّ حَنَك، كلام ساكت، بل دعوة طيبة تحرث الأرض المطبلة من نشع الفكر المتطرف، تهويها وتعرضها لشمس التنوير، وتعيد صياغة العقل المسلم الذى احتلته طيور الظلام بجيوشها الملتحية التى تسلطت على العقل المصرى فعطلت خلاياه التفكيرية وعطبت قواه الإبداعية.

دعوة تنسف خط إنتاج الفتاوى التكفيرية للاستهلاك المحلى والتصدير، تجهز على مدرسة النقل لصالح مدرسة العقل، وهى مدرسة لم تُمكن داخل المؤسسة الدينية الرسمية ولا خارجها، بل طُوردت مطاردة عقورًا نفيًا وتشريدًا فى أقصى الأرض.

دعوة السيسى على وقتها تصدم قاطرات هذا التيار المتطرف التى تسير على قضبان السلفية التكفيرية وجماعاتها الجهادية.. لذا يبتدرونها العداء المستحكم!.

نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.