.
.
.
.

التضليل الإعلامي

محمد الرميحي

نشر في: آخر تحديث:

فقط متأخراً اكتشف العالم هذا الكم من الغواية الإعلامية التي وقع فيها طوال ربع القرن السابق أو أكثر قليلاً. منذ انطلاق وتوسع استخدام ما يعرف اليوم بوسائل التواصل الاجتماعي، علينا أن نتذكر أن ما أطلق عنان الاحتجاجات في لبنان والتي قادت الى ما قادت اليه اليوم، أن الدولة اللبنانية منذ ثلاث سنوات قررت أن تفرض ضريبة على رسائل "الواتساب"، لم يقبل بها اللبنانيون، لأنهم مثل غيرهم قد أدمنوا النظر إلى هواتفهم النقالة. قبل أسابيع اندلعت في الولايات المتحدة عاصفة من النقد في مؤسسات التشريع حول سلوك شركة "فايسبوك" وتوابعها، تصادف ذلك مع توقف قسري أربك العالم، حتى أصبح تعبير "فلبينغ" FLIPPING الذي صكته احدى جامعات أستراليا يعطي لتصرفنا مع وسائل التواصل، معنىً، والتعبير الأخير هو مفهوم يستخدم على نطاق واسع، بمعنى "تجاهل من حولك لانشغالك بهاتفك النقال"! وهي ظاهرة اجتماعية يشتكي منها الآباء والامهات والمربّون.

بالطبع التضليل الإعلامي يأخذ اشكال الثقافة التي ينبع منها ويتفاعل معها، وإن أخذنا الثقافة العربية وما يحيط بنا من أفعال "وسائل التواصل الاجتماعي" لصدمنا من هذا التأثير الهائل، والذي أغلبه تجهيل من جهة، وخرافات وأساطير من جهة أخرى وتغرير بالبسطاء.

يصل الى المتلقي عشرات وربما أكثر من الفيديوات من أصدقاء أو معارف أو حتى غرباء، تحمل معلومات أو رسائل، في الغالب موجهة قد لا يلتفت اليها مرسلها، فهو أو هي يستحسن القول فيوزعها من دون تمحيص. ففي مناسبة الانتخابات العراقية الأخيرة، وُزّع شريط تتحدث فيه مذيعة عن قصة تزعم أنها حدثت للباشا نوري السعيد، وتذهب القصة للقول إن نوري باشا كان يحلق بصفة منتظمة لدى أحد الحلاقين، وللأخير ابن يقدم بعد الحلاقة المنشفة الى الباشا والأخير ينقده بعض البقشيش ... وفي يوم قال الحلاق للباشا إن الابن قد حاز على الشهادة الثانوية، ثم اردف متوجهاً له: لو تكرّمت يا باشا تتوسط له لقبوله في الكلية العسكرية؟ رد الباشا، قائلاً إن ذلك مستحيل، فهذا الولد تعلم أن يأخذ "البقشيش" من الزبائن، وإذا دخل الكلية العسكرية سوف يدخل بالنفسية نفسها التي تقبل العطاء من الأخرين، فكيف له أن يقود مجموعة من العسكر؟

القصة في أقرب الأحوال مُختلقة تماماً، فهي بعيدة من المنطق، وكما أن الباشا رئيس الوزراء الحصيف ليس لديه الوقت لإلقاء كل تلك الخطبة الطويلة على ابن الحلاق، وبالطبع كم من رجال أثروا في التاريخ وهم أبناء بنائين وحلاقين ونجارين! المراد من تلك القصة أن من هم قابضون على السلاح في العراق أو معظمهم قد تربوا "وهم يقبلون البقشيش" وذلك توجه يخص العراقيين، لكن ما يعنينا هنا هو "تزييف الوعي" فقد يقتنع بتلك القصة كثيرون لأنها تبدو من الخارج مقبولة! كم من هذا النوع من القصص يتأثر بها المتلقي ويعتبرها صحيحة. هناك الكثير من المعلومات المغلوطة، الصحية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية تمتلئ بها وسائل التواصل الاجتماعي ويتبناها البعض على أنها حقيقة لا جدال فيها ويوزعها بأريحية.

اليوم تقول لنا الدراسات العالمية إن انتشار الاكتئاب والميل من الشباب الى الانتحار، عدا الإغواء الجنسي للقاصرين، كلها قادمة من تلك الوسائل التي يصعب ضبطها أو حتى مراقبتها. ويقف المربّون وقيادات المجتمع مكتوفي الأيدي أمام هذا الزخم من الأكاذيب والأضرار التي تصيب المجتمع. فيما نقل من العملين السابقين في بعض وسائل التواصل، أن إدارة تلك المؤسسات تعرف الأضرار الناتجة من عدم ضبط المحتوى ولكن لأن ذلك يكسبها مالاً فهي تصرف النظر عنه تحت ذريعة القانون أنها وسيط للنقل وليست منشئة لما يقال؟

هذه الثغرة القانونية يبدو أن المشرّع في الولايات المتحدة سوف يقوم بضبطها من خلال تحميل المسؤولية الأخلاقية والقانونية على الناقل أيضاً، وربما تذهب الدول الأوروبية إلى ذلك المسار أيضاً. إلا أن الفضاء الاتصالي في العالم الثالث وفي عالمنا العربي سوف يبقى مفتوحاً لكل شاردة وواردة من دون رقيب أو قواعد أخلاقية أو قانونية تضبط المحتوى، لذلك كان ولا يزال يتدفق في وسائل الاتصال معلومات وصور وكلام كثير، منه يعف اللسان عن ذكره من خلال تلك الوسائل، ويأخذ في الوقت نفسه عقول الشبيبة الى مكان آخر وفي الغالب غير سويّ وموجع للأهل والمجتمع. ولا يبدو أن هذا الأمر له أولوية في وسائل إعلامنا ولا حتى على أجندة سياسيينا أو حتى حكوماتنا ... الأخيرة تهتم فقط بالجانب السياسي إن اهتمت، أما الجانب الثقافي والاجتماعي فهو متروك للعبث به.

نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.