.
.
.
.

«مو» وجائزة «طلقة الأرض» ومصير الكوكب

حسن أبو طالب

نشر في: آخر تحديث:

احتفت مواقع التواصل الاجتماعى بمشاركة لاعبنا المحبوب محمد صلاح فى حفل توزيع جوائز «إيرث شوت»، التى تعنى «طلقة الأرض»، وهى جائزة أنشأتها المؤسسة الملكية، ومقرها لندن، برعاية الأمير ويليام، حفيد الملكة إليزابيث دوق كمبريدج وزوجته دوقة كمبريدج.

مشاركة صلاح كأحد خمسة أشخاص يقومون بتوزيع إحدى الجوائز فيها قدر من التقدير لنجوميته العالية، ولدوره الملهم للأجيال الصاعدة، وإصراره على تحقيق النجاح فى مجال عمله، وهو كرة القدم الاحترافى بكل ما فيه من ضغوط ومنافسات شديدة.

هذه الدلالات تستحق الإشادة قطعاً، ولكنها وحدها لا تكفى أن تكون محور الحدث الأم، وهو حفل يخصص لمبدعين فى مجال حماية البيئة وإصلاح كوكب الأرض، ولكل منهم قصة يجب أن تُروى وأن يُركز على ما فيها من معانٍ إيجابية للبشرية كلها.

صلاح فى كلمته القصيرة التى لم تزد عن دقيقة واحدة والتى قدم بها الجائزة الثالثة، المخصصة لحماية المحيطات، أشار إلى أنه يشعر بالحماس لأنه نشأ بالقرب من المياه، من البحر المتوسط، فالمياه عنصر حيوى للكوكب بأكمله، موضحاً أن البحار والمحيطات مع نهاية القرن قد يكون فيها بلاستيك أكثر من الأسماك إن لم نفعل شيئاً من الآن.

إنه أمر مرعب ولكن تم العثور على وسائل عبقرية لإعادة إحياء محيطاتنا، مشيراً إلى المرشحين الثلاثة من أمريكا وأستراليا وجزر البهاما، والأخير كان الفائز بمليون جنيه إسترالينى لمساعدته على تطوير حلوله العبقرية لحماية المحيطات انطلاقاً من إنعاش المناطق البحرية بواسطة زراعة الشعاب المرجانية بوسائل مبتكرة أسرع خمسين مرة من الطرق التقليدية، وإعادة دمجها فى شواطئ المحيطات، مما ينتج عنه إحياء دورة الحياة البحرية وما يتعلق بها من أنشطة إنسانية واسعة المدى كالصيد والسياحة.

مشاركة صلاح، بكل شعبيته الجارفة مصرياً وعربياً وفى العديد من دول العالم، وطبيعة الجائزة والقضية الرئيسية التى تعمل عليها، وهى ابتكار حلول لحماية الأرض والبيئة، يمكن أن تكون منطلقاً لترقية الوعى المصرى والعربى بالمخاطر التى تواجه بلداننا نتيجة التغيرات المناخية والبيئية، والتى هى نتيجة سلوكيات بشرية فاسدة على المستوى الكونى، وغير منضبطة فى التعامل مع الموارد الحيوية التى لا يمكن أن تعيش البشرية بدونها، وأهمها المياه والطاقة.

ولعل معرفة الطريقة التى يتم بها اختيار الفائز من بين مجموعة من المرشحين فى نطاق بيئى معين، والجهات المشاركة فى ترشيح المشروعات المبتكرة، وطريقة اختيار المشروع الفائز، تجسد جملة من الدلالات المهمة التى نأمل أن تجد لها صدى فى مصرنا العزيزة وفى بلداننا العربية، فهناك مؤسسة ملكية ومعها عدد كبير من الجهات الداعمة والمؤمنين بضرورة تشجيع البشرية على ابتكار أساليب لحماية حياتها المستقبلية، وإبداع طرق وأدوات توقف وتصلح المفاسد التى ضربت المناخ والبيئة، ومساعدة تلك الابتكارات على الانتشار لتصبح نماذج سلوكية عامة.

بعبارة أخرى، من الضرورى أن ينهض المؤمنون بإصلاح البيئة العرب بتشكيل مؤسسة كبرى من المحيط إلى الخليج فى صورة شبكة، يمكنها أن تصل إلى كل عربى لتنشر وتدعم ثقافة حماية البيئة، وتعديل السلوكيات الفردية والجماعية المناهضة للبيئة، وتشجيع الابتكارات الساعية إلى إبداع حلول للمشكلات الناتجة عن التغير المناخى، وإبداع طرق لإنتاج الطاقة النظيفة والمتجددة بأنواعها كالهيدروجين الأخضر وغيره، والتخلص التدريجى من الاعتماد المفرط على مصادر الطاقة الأحفورية كالفحم والنفط.

ومن الدلالات المهمة أيضاً، اختيار اسم الجائزة «طلقة الأرض»، والتى أعادها الأمير ويليام إلى مصدر ملهم سابق كان فى الستينات، حين دعا الرئيس الأمريكى جون كيندى إلى ما سماه «طلقة القمر» بمعنى توحد الجهود البشرية من أجل أن يطأ الإنسان سطح القمر، والذى نتج عنه مجموعة من الإبداعات التكنولوجية فى الستينات من القرن الماضى التى أفادت الإنسانية ككل.

وهكذا تستهدف الجائزة الجديدة إطلاق موجة من الابتكارات الإنسانية فى مجال إصلاح البيئة، تماماً كموجة الابتكارات التقنية الخاصة بالفضاء.

هنا يلعب الإلهام والتحفيز والإفادة من إبداعات مراحل تاريخية سابقة وتطويرها فى مجالات حيوية جديدة، دوراً رئيساً فى تنشيط الحياة الإنسانية ككل، من خلال إصلاح البيئة، قاسمها المشترك الأكبر.

وأعتقد جازماً أن فى بلادنا الكثير من رموز الإلهام الجادة فى مجالات شتى، وهى بحاجة إلى تسليط الضوء عليها من خلال وسائل الإعلام ومن مؤسسات الدولة، وفى مناهجنا الدراسية، لعلها تلهم وتحفز أجيالاً بمجملها للإبداع المفيد للمجتمع والإنسانية، بدلاً من أن تضيّع جلّ وقتها وعمرها فى تطبيقات تافهة وتضر أكثر مما تفيد، والشواهد حولنا كثيرة ومؤلمة.

لا تتوقف جائزة «طلقة الأرض» عند حد منح بعض المال والإشادة بما تم إنجازه من طرف فرد مبتكر أو شركة صغيرة اقتحمت مجالاً بيئياً يعين الإنسانية على البقاء، بل هى أكثر من ذلك، وهنا نلحظ فلسفة تستند إلى مبدأ الديمومة والاستمرارية، حيث تمتد إلى عقد كامل، مستهدفة إشاعة المعلومة المفيدة والتجربة المبتكرة للمجتمع الإنسانى من خلال التركيز على 150 مشروعاً وفكرة ثبتت فاعليتها، ومنح خمسين منها الجائزة المالية لمساعدتها على مزيد من التطور والخروج من بيئتها المحلية إلى البيئة الإنسانية الأرحب.

وكل المشروعات يتم التركيز عليها من خلال منصة تصل إلى كل فرد مهتم فى العالم كله. وهكذا يتراكم لدينا عدد كبير من الأفكار الإصلاحية للبيئة القائمة على الاستدامة والإنتاجية. والمهم هو من يستفيد ويتعلم ويبدأ دورة الابتكار الذاتى، وكم نحن بحاجة إلى مثل هذه المعانى الإنسانية الرفيعة.

المشروعات المرشحة فى الدورة الأولى للجائزة ضمت إسهامات من بلدان مختلفة، متقدمة اقتصادياً كالولايات المتحدة وأستراليا وإيطاليا وسويسرا، وبلدان تدخل فى نطاق الدول النامية والمأزومة اقتصادياً، منها الهند ونيجيريا والكونغو وجزر البهاما وكوستاريكا. وللأسف لم يوجد فيها فكرة مصرية أو إسهام عربى، وهو أمر ليس فقط محزناً، ولكنه يدق جرس إنذار بشأن اهتمامنا الغائب بالبيئة والمناخ ومصير البشرية.

نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.