.
.
.
.

انشقاقات "الإخوان": التنظيم يترنح

محمد صلاح

نشر في: آخر تحديث:

لا يوجد على أرض الواقع أي جهة أو حزب أو جماعة أو تنظيم سياسي استخدم عبارة: الانقلاب يترنح، كما استخدمها "الإخوان المسلمون"، نعم اضطلع التنظيم الإرهابي بالأمر وأخذ على عاتقه القيام بالأدوار التي تمنى لو كانت قوى سياسية أخرى رغبت في أدائها، ورغم مشاكله الداخلية إلا أن تنظيم "الإخوان" ربما اعتبر كثرة استخدام العبارة وترويجها وإقناع عناصره بجدواها فرصة لتجاوز أزمته وصراعاته الداخلية وخلافات زعمائه ورموزه وعناصره فيضرب بذلك عصفورين بحجر واحد: ترسيخ الكذب بقرب عودة الحكم الى "الإخوان" وتمكين الجماعة من إعادة تنظيم نفسها من جديد!!.

لكن الأسبوع المنصرم كشف ما حاول التنظيم ان يخفيه طويلاً، وأظهر أن الجماعة تترنح وتكاد تنهار، وأن فجوة كبيرة حدثت بين قادة "الإخوان" وعناصر الجماعة، وأن الانشقاقات عادت لتعصف بالتنظيم وقسمته بينما الآلاف من عناصره يعجزون حتى عن العودة الى الأوضاع التي كانوا عليها قبل أن يقفز التنظيم الى سدة الحكم في العام 2013.

باختصار انتشرت معلومات عن اجتماع عقد في تركيا برئاسة الأمين العام للتنظيم محمود حسين، اتُخذ فيه قرارٌ بعزل القائم بأعمال مرشد الجماعة ابراهيم منير المقيم في لندن من منصبه، وجاء الإجراء رداً على قرار كان منير اتخذه بعزل حسين وخمسة من رفاقة والتحقيق معهم بتهم تتعلق بالفساد الإداري والمالي!

لم يكن التطور الأخير مفاجئاً إلا لغير المتابعين لطبائع الأمور داخل الجماعة والصراعات بين قادتها والأزمات التي يعيشها التنظيم ويحاول أن يخفيها.

ومنذ ثار الشعب المصري على حكم "الإخوان" وأطاح محمد مرسي من المقعد الرئاسي، لم تتوقف الجماعة وآلتها الإعلامية الضخمة ومنصاتها وقنواتها عن ترديد عبارة "الانقلاب يترنح". وأمرت عناصرها بكتابة العبارة في اللافتات وعرضها أمام عدسات المصورين في كل تظاهرة وفي خلفية كل برنامج وترديدها بين كل هتاف أو قبل وأثناء وبعد كل مؤتمر!! كان الهدف دائماً بث الأمل في أعضاء الجماعة بأن المقعد الرئاسي سيعود إلى "الإخوان" وبأن التنظيم سيتمكن مجدداً من الاستحواذ على السلطة، وفي الوقت نفسه طمأنة الدول والجهات الداعمة للجماعة، الى أن أموالها لن تضيع هباءً وأن جهودها لن تذهب مع الريح، وكذلك بالطبع التأثير نفسياً في معارضي "الإخوان" من النخب والشخصيات العامة وإرهاب قطاعات الشعب المصري وتخويف الناس من إظهار أي دعم للحكم في مصر بعد رحيل "الإخوان". ورغم عشرات الدعوات التي أطلقها "الإخوان" وغيرهم من التنظيمات الإرهابية أو حتى الشخصيات المعارضة أو بعض الفارين خارج مصر، لتحريك الناس، أو تنظيم تظاهرات أو اعتصامات، بدا واضحاً أن الحكم يترسخ، وأن عبارة "الانقلاب يترنح" تحولت مادة للسخرية من "الإخوان" وكل الدول والجهات التي تدعمهم.

ولأن للجماعة حلفاءً ومناصرين داعمين خارج مصر، سواء أكانوا دولاً أم جهات أم شخصيات أم حتى أجهزة ظلت تساندها على مدى السنوات الماضية وتنتظر أي نتيجة من دون أن تحصل عليها حتى الآن، وكذلك بالطبع للتنظيم أعضاء وعناصر وأسر "إخوانية" ظلت لسنوات تجوب الحواري والأزقة بعيداً من قوى الأمن كل ليلة لتصور مشهد تظاهرة أو تسجل صور بعضهم يرفعون علامة رابعة، ولأن الجهات الداعمة في الخارج والمنتمية في الداخل كانت تتلقى وعوداً بأن الثورة آتية لا محال وبأن مرسي سيعود إلى القصر يوم الأحد أو الثلثاء لا فرق، وبأن الشعب المصري سيكمل ثورته والانقلاب يترنح والناس على شفا الثورة، فإن الجماعة بجناحيها المتصارعين ظلت تراهن على إلقاء البيانات عبر الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، والتي تعد أساساً وتوزع من خارج مصر لتحريض المصريين على الخروج إلى الشوارع والميادين وكذلك على الثقة بتلبية عناصر الجماعة وأسرهم لدعوات الخروج ومحاولة الاحتشاد أمام الكاميرات وعلى أن ذلك وحده كفيل بإشعال فتيل الثورة. وفي سبيل تحقيق الحلم جرى إطلاق مسميات على بعض التجمعات والتشكيلات لعل ذلك يخدع الجهات الداعمة والعناصر المنتمية ويوحي لهم بأن هناك من فئات الشعب المصري من ينتظرون ذلك اليوم ويجهزون له ليثوروا!!.

تغافل "الإخوان" عن واقع صادم لهم وعن حقيقة لا يمكن إخفاؤها تتجاوز مسألة رضا الناس في مصر أو غضبهم من حكم السيسي فتلك أمور نسبية وتتعلق برضا القوى المعارضة للسيسي أو غضبها من "الإخوان" أنفسهم. وتكفي الإشارة هنا إلى أن غالبية الأشخاص المحسوبين على الثورة ورموزها وأعضائها والحركات والائتلافات التي تطلق على نفسها صفة الثورية وعناصر النخب السياسية من مختلف التيارات كلها تحرص على أن تنأى بنفسها عن الوقوع في شرك "الإخوان" وتتفادى تماماً أي فعل قد يصب في مصلحة ذلك التنظيم الإرهابي وتشدد وهي تجاهر وتصرخ أو حتى تهتف معارضة لسياسات السيسي على أنها تدرك خطر "الإخوان" وترفض عودتهم مجدداً!!. دعك هنا من موقف البسطاء من فئات الشعب المصري تجاه الجماعة وما عاناه الناس أثناء السنة التي حكم فيها مرسي مصر، وتجاوز أيضاً عن أخطاء التنظيم أو تحكم مكتب الإرشاد في السلطة أو إدارة البلد من بناية تقع في حي المقطم، وتغاضٍ ولو موقتاً عن أخطاء "الإخوان" أثناء الحكم أو تحالفهم مع الجماعات الراديكالية أو حتى رد فعلهم على عزلهم من السلطة والعنف الذي تورط فيه عناصر التنظيم تحت لافتة "الشرعية" وتذكر أن هيئة الدفاع عن المتهمين في قضايا "الإخوان" لسنوات طويلة في عهد مبارك كان يترأسها المحاميان اليساري نبيل الهلالي والوفدي الليبرالي أحمد الخواجة، ولا تنس أن غالبية رؤساء الأحزاب ورموز النخبة السياسية كانوا يخطبون ود مرشد الجماعة قبل أن يحكم التنظيم مصر، وأن مرشحي البرلمان في كل انتخابات أجريت في عهد مبارك أيضاً كانوا يتوافدون على مقر الإرشاد، رغم المضايقات الأمنية، أملاً في أصوات المقترعين من أعضاء الجماعة ومحبيها. تغير الحال وأصبح كل هؤلاء يدفعون عن أنفسهم شبهة التعامل مع الجماعة، وكذلك تلبية أي نداء لها، الفجوة واسعة جداً ليس بين "الإخوان" والحكم فقط وإنما بينهم وبين الناس الذين لدغوا في 25 كانون الثاني (يناير) 2011 وقرروا ألا يلدغوا مرتين.

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.