.
.
.
.

روسيا والناتو.. ما قبل العاصفة

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

هل جاء القرار الروسي بقطع العلاقات مع حلف الأطلسي، مع كل ما يحمله المشهد من مخاوف، ربما تصل إلى ما يعرف بـ "السيناريو الصفري"، حيث الرؤوس الساخنة يمكنها أن تقود التحولات السياسية الخلافية إلى معارك حامية الوطيس، هل جاء مفاجأة للمتابعين لشأن العلاقات بين الجانبين؟

المؤكد أن العالم تجاوز مرحلة الحرب الباردة، والتساؤل الآن إلى أين يمضي الجميع، وهل المواجهات المسلحة قدر مقدور في زمن منظور كما يقال؟

على الرغم من أن القرار الروسي الأخير قد جاء على خلفية ترحيل ثمانية من أعضاء بعثتها لدى الحلف الأطلسي في وقت سابق، يتهمهم الحلف بالتجسس، إلا أن خلفيات المشهد أكثر تعقيدا بكثير.

تدرك روسيا أن شهوات قلب الناتو لا تتوقف عن الزحف إلى حدود روسيا الغربية، وقد ملأت الأرجاء مؤخرا دعوات لانضمام جورجيا وأوكرانيا رسميا للناتو، الأمر الذي يمكن أن يدفع روسيا إلى ما يشبه الزحف المقدس تجاه أوكرانيا والسيطرة على مقدرات الأمور فيها، وضمها مرة جديدة إلى روسيا، وكذلك لن يوفر القيصر جورجيا من مصير مماثل.

الروس أيضا يعلمون علم اليقين أن التحالفات الأميركية الجديدة في المحيط الهادئ تؤثر حكما على التوازنات العسكرية، ومع أن الصين هي التي هددت بقصف أستراليا وقطعها البحرية الأميركية بالأسلحة النووية إن لزم الأمر، إلا أن ذلك لا يعني أن الروس غير غاضبين، لكنه غضب مكتوم يتم مواجهته بتوجيه الضربات الموجعة لحلف الناتو في قطاعه الأوروبي.

لا تتوقف مشروعات الناتو عن إزعاج روسيا، كما أن التعاون بين موسكو والناتو كان شبه متوقف والحديث هنا لوزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، والذي أشار إلى أن تبادل المعلومات مع مقر حلف الأطلسي متوقف منذ فترة، وكذلك الاتصالات العسكرية مقطوعة.

يحاجج الروس دعما لقرار الانسحاب بأن الناتو لا يستمع إلى روسيا التي طلبت قبل عامين الموافقة على سحب التدريبات العسكرية من خط التماس، والاتفاق على مسافات دنيا لا ينبغي أن تنتهكها أي طائرات وسفن حربية وغيرها من الأمور التي تم طرحها، إلا أن كل ذلك قوبل بـ"جدار من الصمت من قبل الناتو".

ما الذي يخشاه الناتو من الجانب الروسي؟

بالقطع يمكن التفكير أول الأمر في مسارين :
المسار الأول هو السرعة غير المسبوقة التي تمضي بها موسكو في طريق تطوير أسلحة الأجيال القادمة، لا سيما الصواريخ فرط الصوتية، والغواصات الكهرومغناطيسية مثل الغواصة النووية بوسيدون، والتي يمكنها حمل صواريخ يوم القيامة الكفيلة بالقضاء على 90% من سكان الولايات المتحدة حال القارعة، ناهيك عن تطوير قوات فضائية جوية باتت تشارع وتنازع أحدث ما في سلاح الجو الأميركي.

هنا لا يمكن لواشنطن أن تقف مكتوفة اليدين، ولهذا فإنها تحاول تخليق أكثر من شوكة في خاصرة الروس، وخلق ما يشبه مجالات الحصار، سواء عن طريق المزيد من العقوبات الإقتصادية، أو العسكرية، وكذا السعي إلى إثارة القلاقل الأهلية والمجتمعية في الداخل الروسي.

المسار الثاني، متعلق بالتقديرات الأميركية التي ترى أن موسكو تستخدم الطاقة وبخاصة الغاز الطبيعي المورد لأوروبا، بمثابة سلاح يراد من ورائه إضعاف قوة حلف الناتو، وذلك عن طريق ضعضعة التضامن الأوروبي – الأميركي، وتشجيع التوجه الذي تتبناه فرنسا تحديدا، والذي يبدأ من عند الفراق السياسي مع العم سام، وصولاً إلى بناء جيش أوروبي موحد، هذا من جهة، ومن جهة ثانية دفع الأوروبيين إلى المزيد من الاقتراب من روسيا، بل إحياء الطرح الأوراسي في أعماقهم، وإرغام الأوروبيين على المقابلة بين مزايا وخسائر البقايا ضمن إطار حلف الناتو.

لا تبدو واشنطن عازمة على ترك مشروع القرن الأميركي وراء ظهرها، رغم كافة ما أصاب الفكرة الساعية للهيمنة على العالم، تلك التي بلورها المحافظون الجدد العام 1997، ثم عادت إدارة باراك أوباما، وخلصت منها إلى ما عرف بـ "استراتيجية الاستدارة نحو آسيا"، تلك التي بدأت من عند حدود الربيع العربي المغشوش، بهدف تصعيد الأصوليات الخبيثة إلى روسيا والصين، وصولا إلى نشوء وارتقاء الأحلاف الجديدة، من نوعية أوكواس وكواد.

الناتو لا يثق في الروس، والروس يدركون أنه لا فائدة من حوار الطرشان مع الأميركيين والأوروبيين، وبخاصة في ظل إصرارهما على سحب موسكو قواتها من شبه جزيرة القرم وإرجاع الوضع على ما كان عليه من قبل، وهو ما لن تسمح به روسيا بالمرة.

تبدو السياقات مخيفة ومخاطر التصعيد واردة بقوة، فالتحليق فوق بحر البلطيق من قبل طائرات الناتو لا يتوقف، ومحاولات بعض قطع الأسطول الأميركي اختراق المياه الإقليمية الروسية، كما جرى قبل بضعة أيام ومطاردة الروس لهم، كفيل بأن يفتح الباب واسعا لارتكاب أخطاء من الوارد أن تتحول إلى مواجهات تقود لإشعال فتيل حرب كونية.

وفي كل الأحوال فإن الروس لم يأمنوا حتى الساعة النوايا الأميركية التي أدت إلى الانسحاب من أفغانستان، وفي يقينهم أن في الأمر فخ منصوب لموسكو وبكين، ذلك إن ما لم يتم تحقيقه مباشرة، يجري الالتفاف من حول التضاريس للوصول إليه، ومن ثم قطع الطريق على صحوة الدب الروسي، ووأد نمو التنين الصيني.

هل من خلاصة؟

تعقيدات المشهد الروسي في علاقته مع الناتو، تهدد حالة السلم والأمن الدوليين، وحال أخذنا في الاعتبار أوجه التعاون الروسي – الصيني في مواجهة الاستراتيجيات الأميركية لا سيما العسكرية منها، يخلص المرء إلى أن هبوب العاصفة يمكن أن يحدث بصورة غير متوقعة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.