.
.
.
.

إسرائيل العسكرية.. من الغموض للعلانية

طارق فهمي

نشر في: آخر تحديث:

تخرج إسرائيل في الوقت الراهن من حالة الغموض العسكري والاستراتيجي إلى حالة من العلانية، والوضوح بعد سنوات طويلة تبنت فيها استراتيجية الحياة في القبو وعدم الإعلان، وهو ما انطبق على استراتيجية الغموض النووي، وفرض نوع من الضبابية إلى المكاشفة.
ولعل هذا الأمر يتضح جلياً في الإعلان عن استضافة إسرائيل التدريب الجوي الدولي الأكثر تقدماً، والذي يحمل العلم الأزرق في قاعدة عوفدا، وشاركت فيه 7 دول بهدف تعزيز التعاون الاستراتيجي بين الدول المشاركة، وركز بالأساس على اكتساب خبرات آلية الدمج للتوظيف طائرات الجيل الخامس، ومواجهة سيناريوهات معارك جوية وأرض جوية، ومواجهة المعارك في أكثر من مسرح للعمليات...
والواضح أن إسرائيل – وإزاء حدوث متغيرات جديدة في الشرق الأوسط، وعقد اتفاقيات سلام وانتفاء المخاطر الإقليمية الحقيقية باستثناء الخطر الإيراني الراهن –ونشوب مخاطر مشتركة، اتجهت نحو إعادة ترتيب خياراتها، ومحدداتها الاستراتيجية خاصة أن إسرائيل ظلت سنوات طويلة ترفض أن تشارك في إجراء ترتيبات أمنية جماعية بل، ولم تكن تسمح بزيارة القطع البحرية التابعة لحلف «الناتو» وغيرها.
وقد تغيرت الأمور في الوقت الراهن فقد سمحت إسرائيل منذ سنوات بإنشاء قاعدة عسكرية أميركية مقيمة على أراضيها في سابقة لم تحدث بل وقبلت الانضواء في القيادة المركزية الأميركية مع الدول العربية، وهو ما يعني أن الفكر العسكري الإسرائيلي بات مؤمناً بضرورة العمل الأمني الجماعي، بل والانتقال من تبني مفاهيم أمنية جافة وصماء إلى تبني مفاهيم أكثر انفتاحاً وقبولاً، وهو ما سيجري في إقليم المتوسط أيضاً، وفي جنوبه وعلى طول مناطق التماس الأخرى المواجهة في إشارة إلى أن إسرائيل تتغير لكي تكون دولة مقبولة بدليل مشاركة دول كبري من الولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وفرنسا والهند واليونان، والرسالة أن إسرائيل تتعامل مع المهددات التي تنشب في المحيط الإقليمي، وتريد رسم السياسات الدفاعية والهجومية معاً، وفي ظل حالة من عدم الاستقرار في المنطقة بأكملها، والانتقال من التهديدات غير التقليدية للتهديدات فوق التقليدية التي يمكن أن تهدد الجميع بما فيها إسرائيل.
والشاهد أن الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي، بات لديه يقين كبير بأن صيغ الأمن الجماعي هي الأصلح والأهم، وأنها يمكن أن توفر الأمن المطلوب لإسرائيل بالتشارك مع الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي يعني أن إسرائيل ستخرج باستراتيجية جديدة لأمنها بدعم ومساندة الولايات المتحدة.
ولهذا ليس غريباً أن يدعو العسكريون في إسرائيل إلى تبني نظرية أمن قومي جديدة تراعي حجم المتغيرات الهائلة التي جرت في السنوات الأخيرة، وعدم العمل بما هو قائم كما يطالبون بضرورة تبني استراتيجية المجابهة والانفتاح على المشهد السياسي والاستراتيجي، والتخلي عن الضبابية في الموضوع النووي، وكوسيلة رادعة بل والإعلان عن امتلاك الرؤوس النووية الكافية، والتي تجعلها بمفردها مالكة للسلاح النووي في الإقليم بأكمله وأن إسرائيل تريد التأكيد على وجود خطر حقيقي يستهدفها ومن الضرورة التكاتف في مواجهته.
وبالتالي من المتوقع أن تشهد إسرائيل جدالاً بين «إسرائيل السياسية» التي تريد تحقيق مكاسب الانفتاح على الإقليم وبناء علاقات أكثر وضوحاً وشفافية في ظل ما يتحقق من إنجاز التوصل للسلام مع الدول العربية، وإعادة تقديم إسرائيل للمنطقة، وبناء شراكات حقيقية، وبين «إسرائيل العسكرية»، التي تتوافق مع المستوى السياسي الداخلي، وإنْ كان يركز على الدفع بالصراع الاستراتيجي – غير الممكن استخدامه – مع العمل على بناء خريطة استراتيجية لأمن إسرائيل القومي بدعم الولايات المتحدة والدول الصديقة في المتوسط وخارجها، وهو ما يجري في الوقت الراهن مع الاستفادة من القدرات العسكرية لإسرائيل خاصة أن وجودها في القيادة المركزية الأميركية سيمنحها الفرصة لتحقيق أهدافها في المديين المتوسط والطويل الأجل.
*أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية والعلوم السياسية.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.