.
.
.
.

كتاب يمشي

عادل الكلباني

نشر في: آخر تحديث:

إن مهارة أئمتنا وفقهائنا من السلف - رحمهم الله - في جمع الفقه، والإبداع في حشر المعاني والأحكام الكثيرة في الجملة والثلاث والأربع مهارة أرادوا بها حفظ الفقه وتدوين الأحكام ولم يريدوا رسم صورهم الحياتية الاجتماعية..

تزخر المكتبة الإسلامية بآلاف الكتب والمجلدات الفقهية، ولم يُعلم بحضارة من الحضارات ورّثت ما ورثه المسلمون من الكتب المختلفة في طرحها، المتنوعة في مضامينها، وقد شملت أغلب العلوم وأكثرها، كعلم الطبيعة وعلم الفلك وعلم الطب وغيرها من العلوم، إلا أننا في هذا المقال نستعرض تقنية عالية الدقة اختص بها فقهاء المسلمين، تلك التقنية لم تستخدم أدوات مخترعة، ولا صناعات مستحدثة، لكنها تقنية متوارثة تتميز بها بعض العقول التي اختصها الله لتناقل الدين والفقه وتدوينه، وإلى ذلك أشار رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلـم في قوله: نضّر الله امرأً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه.

لقد تفنن فقهاء المسلمين في تدوين الفقه المستنبط من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، حتى أصبحت المختصرات والمتون والمنظومات الفقهية، هي السائدة بين طلبة الفقه، وهي شغل الفقهاء والعلماء في الحفظ والشرح والتدريس، وقد تنافس الأئمة والعلماء - رحمهم الله - في إبداع المتون لاختصار الفقه، وبرزت كثير من الكتب التي اختصرت العبارة بجزالة لفظ وبلاغة منطق، وسعة استيعاب، حتى إن طالب العلم ليجد بعض الكتب والمتون الفقهية كرموز لا يعرف منها إلا حروفها لحاجتها إلا فك الترميز وشرح المعضلات والمجملات بالحواشي والشروحات التي ملأت السهل والجبل لغزارة ما تحتويه تلك الأصول والكتيبات من فقه.

هذه ميزة وإتقان اختص به الجهابذة من أهل الإسلام، ولكننا نجد الخطأ الكبير عند كثير من فقهاء العصر ومنتسبي الدعوة في التعامل مع ما يجدونه من هذا الإتقان مدونًا ومشروحًا في المكتبات الإسلامية، حيث إن أولئك الأئمة والجهابذة تركوا لنا هذا الموروث بتلك التقنية لحفظ ما استنبطوه وما رأوه من الفقه، وهو بالمعنى الصحيح فقه لا يتناول السيرة الذاتية والمجتمعية لأولئك العلماء والفقهاء، إذ إن ما يدوّن من أحكام وأصول وقواعد قد لا تكون مقترنة في كل وقت وحين بمن دوّنها، بل إنه يمارس حياته الخاصة والعامة بعيدًا عن تكلف وقصد إظهار التميز عن بقية المسلمين، وهذا منهم كان اقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذ كان يأتي الأعرابي من خارج المدينة ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلـم بين أصحابه ولا يعرف الأعرابي أيهم رسول الله. وقد بينت عائشة رضي الله عنها حياته بقولها: كان خلقه القرآن.

إن من حملة الفقه في زمننا هذا من يريد أن يكون "كتاباً فقهياً يمشي على الأرض" وفرق كبير بين أن يكون المسلم "قرآناً يمشي على الأرض" اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبين أن يكون "كتابًا مذهبيًا" أو " مختصرًا فقهيًا"، فالقرآن شمل كل جوانب الحياة، وشمل الكثير من الصور الحياتية لمجتمعات الأنبياء، وقصصًا يقتدي بها المسلم في ليله ونهاره، وقد قسّم الفقهاء سنته صلى الله عليه وآله وسلـم إلى سنة قولية وعملية وإقرارية كي يمتزج الاستنباط من كل أحواله صلى الله عليه وآله وسلـم، وبعض منتسبي الفقه يفصل بين حياة الأئمة وسيرهم الذاتية وبين ما قرروه واختصروه في كتبهم وفقههم، وهو أمر غاية في الخطورة، إذ إنه فعلاً قد حُكم على كثير من أفعال وآراء بعض أولئك الأئمة بالضلال والتمييع وغيرهما من الأحكام المجحفة بحقهم وبحق من تتبع سيرهم ونحا منحاهم في مجتمعاتهم.

إن مهارة أئمتنا وفقهائنا من السلف - رحمهم الله - في جمع الفقه، والإبداع في حشر المعاني والأحكام الكثيرة في الجملة والثلاث والأربع مهارة أرادوا بها حفظ الفقه وتدوين الأحكام ولم يريدوا رسم صورهم الحياتية الاجتماعية، وللأسف فكثير من أولئك الفقهاء والأئمة وصفت "حياتهم الاجتماعية" بزلة عالم، وإنما يعدون في نظر - من أشرنا إليهم - علماء فقط في "مختصراتهم الفقهية". ويبقى الفقه الحق: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، رضي الله عنهم. هذا، والله من وراء القصد.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.