.
.
.
.

لعدم كفاية الأدلة!!

حمدي رزق

نشر في: آخر تحديث:

أقتطف فقرة مهمة من بيان المستشار على مختار، الرئيس بمحكمة استئناف القاهرة، قاضى التحقيق المنتدب للتحقيق فيما تضمنه تقرير لجنة تقصى الحقائق من وقائع فى القضية رقم ١٧٣ لسنة ٢٠١١، والمعروفة إعلاميًا بقضية التمويل الأجنبى لعدد من منظمات وكيانات وجمعيات المجتمع المدنى.

نصًا يقول المستشار الجليل: «ولئن كان على الدولة أن ترعى المجتمع المدنى إيمانًا بدوره ورسالته، إلا أنه، وبالمقابل، لزامًا على المجتمع المدنى أن يؤدى هذا الدور وتلك الرسالة فى ضوء أحكام الدستور والقانون، وأن يربأ بنفسه عن موطن أى شبهة- حال أداء مهمته- تُعد مساسًا بسيادة الدولة، وتمثل خطرًا على وحدتها الاجتماعية، فالحفاظ على سيادة الدولة والذود عنها هو التزام وإلزام بطريق اللزوم».

غاية الأمر، الفائدةُ المقصودة منه، الحفاظ على سيادة الدولة، والذود عنها، وهو التزام وإلزام بطريق اللزوم، وكل وطنى غيور مُلزَم، وكل مصرى شارب من مياه النيل مُلزَم، والوصية الراسخة، ادرأوا الحدود بالشبهات، قاعدة مستقرة، ادرأوا الشكوك، والشك فى الطهارة الوطنية كالشك فى الوضوء.. يستوجب التعامل معه، اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ.

المستشار الجليل يخط طريقًا، الدولة ترعى المجتمع المدنى إيمانًا بدوره ورسالته، والمجتمع المدنى يؤدى هذا الدور وتلك الرسالة فى ضوء أحكام الدستور والقانون، كلٌّ عليه واجبات والتزامات، كلٌّ عليه دور يؤديه باستقامة وطنية.

بعد إغلاق هذه القضية (المزعجة وطنيًا)، يستوجب الأمر البحث عن صيغة وطنية توافقية متفق عليها، وفق أحكام القانون والدستور، لا نملك رفاهية الاحتراب، ولنبتعد بمسافة عن طريق الشك، ونُحسن الظن، ونميز الطيب من الخبيث.

ومادام الهدف هو خدمة هذا الوطن، فإن الطريق مرصوف وسالك، طريق القانون واضح، وتوفيق أوضاع الجمعيات والمراكز ضرورة مستوجبة، التفلُّت مخالفة تستوجب المراجعة، وهذا معمول به فى أوروبا والدول المتقدمة.

تهيئة الأجواء وتمهيد الأرض لعمل مدنى مجتمعى منتج وفاعل ونشط واجب الحكومة، وعليها أن تجتهد وتجد وتسعى، وواجب المجتمع المدنى أن يكون فاعلًا ومنتجًا ونشطًا فى إطار الجماعة الوطنية ومحددات الأمن القومى، سوابق الخروقات التى ارتكبتها بعض المنظمات، والتى تتحدث عنها التقارير والتحريات، تعطل مسيرة قطاع حيوى يعول عليه كثيرًا فى مشروعات التنمية المستدامة.. مشروع «حياة كريمة» على سبيل المثال يقوم على كتفى الحكومة والمجتمع المدنى.. ذراعًا بذراع.

لفتنى تعبير استخدمه القاضى الجليل، «لعدم كفاية الأدلة»، جملة مفصلية وردت فى سياق حيثيات إسقاط التهم عن (٧٥ منظمة متهم فيها ما يربو على مائتى وعشرين شخصًا)، وهذا يعنى أن البراءة هنا لعدم الكفاية فقط لا غير، وهم يعلمون جيدًا أن المعنى فى بطن الشاعر، أقصد فى حيثيات القاضى.. الاتهام كالجرس مُعلَّق فى رقبة القط، الذى خرج من النافذة المطلة على الشارع.

حديث الحلال والحرام، وإن الحلال بيِّنٌ وإن الحرام بيِّنٌ، وبينهما أمور مشتبهاتٌ لا يعلمهن كثير من الناس، فمَن اتّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه، ومَن وقع فى الشبهات وقع فى الحرام.

خلاصته الحلال الوطنى بيِّنٌ والحرام بيِّنٌ، وبينهما أمور مشتبهاتٌ لا يعلمهن كثير من الناس، فمَن اتّقى الشبهات وخضع لأحكام الدستور والقانون واحتكم لضميره الوطنى فقد استبرأ لوطنه، ومَن وقع فى الشبهات وتلقى التكليفات وقبض التمويلات، وقع فى الحرام الوطنى، كالراعى يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، فيرده الراعى بعصاه!.

نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.