.
.
.
.

السادات نائبًا

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

لم يشأ عام ١٩٦٩ أن يمضى دون مفاجأة أخرى. بدأ العام باستشهاد الفريق عبدالمنعم رياض، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، بين جنوده على الجبهة. كشف استشهاد «رياض» أن القادة لا يجلسون فى مكاتب مكيفة بالعاصمة، لكنهم هناك على خط النار، وكانت جنازته، التى تقدمها عبدالناصر بنفسه، حاشدة جماهيريًا، واعتُبرت حدثًا مُدويًّا على مستوى العالم، بدا فيها إصرار الشعب على مواصلة الكفاح وتحرير الأرض، ثم أعقبت ذلك زيارة «برنارد لويس»، التى أصر على أنها كانت زيارة مخابراتية طويلة لمصر، ثم الأزمة القلبية الحادة التى انتابت عبدالناصر، وقبل نهاية العام، أصدر الرئيس جمال عبدالناصر قرارًا بتعيين السيد/ محمد أنور السادات رئيسًا للجمهورية، وطبقًا لكتاب «البحث عن الذات»، فاتح السادات فى الأمر يوم ١٩ ديسمبر، واعتبرها السادات «ساعة صفاء وإلهام» حين أبلغه عبدالناصر بالخبر.

ويُعتبر عبدالناصر أكثر رؤساء مصر تعيينًا لنواب رئيس الجمهورية، بحيث يمكن أن نجد عددًا من النواب فى وقت واحد. كان يود الاحتفاظ بعدد من الذين عملوا معه، حتى لو استنفدوا مناصبهم التنفيذية. رئيس وزراء انتهت مدته أو ارتأى الرئيس تغييره، أو أحد الوزراء، يصبح نائبًا لرئيس الجمهورية، حدث ذلك بالنسبة لرفاق عبدالناصر من أعضاء مجلس قيادة الثورة، مثل عبداللطيف البغدادى وكمال الدين حسين وزكريا محيى الدين، أو حتى مَن لم يكن عضوًا فى مجلس القيادة، مثل على صبرى، وأغلب الظن أن منصب النائب كان شرفيًا، أو بلا مهام محددة سوى ما يعهد به إليه الرئيس. الدستور لم يكن يحدد مهام ولا اختصاصات لنائب الرئيس، على وجه التحديد لم يكن واردًا أن يصبح النائب يومًا هو الرئيس، لذا رفض عبدالحكيم عامر هذا المنصب بعد هزيمة ٦٧، إذ اعتبره عزلًا رقيقًا، وربما تمهيدًا للعزل النهائى أو انتهاء الدور، كما حدث لبعض السابقين.

الأمر فى ديسمبر ٦٩ وفى حالة السادات كان مختلفًا للغاية، المؤكد أن عبدالناصر كان يدرك تمامًا أن مَن اختاره نائبًا هو، على الأرجح، مَن سيخلفه ويصبح رئيسًا للجمهورية، وكذلك كان الآخرون يدركون نفس المعنى، أقصد السادات والمجموعة المحيطة بالرئيس عبدالناصر وقيادات الدولة. الحالة الصحية للرئيس لم تكن سرًا عليهم، بل إن الرأى العام كان- بطريقة جشطلتية- يدرك ذلك، كان عبدالناصر يبدو شاحبًا، واهنًا؛ ولعل هذا ما دفع السادات إلى أن يقول له حين أبلغه: «فكرت يا جمال ورسِيت؟..»؛ وراح السادات يتحدث عن أنه يريد أن يبقى إلى جوار جمال، وإن كان لابد من مسمى «كفاية علىَّ مستشار رئيس الجمهورية».

السؤال: لماذا اختيار نائب للرئيس فى ذلك الوقت؟ ولماذا السادات تحديدًا من بين كل رجال الدولة، ولماذا هو من بين أعضاء مجلس قيادة الثورة (سابقًا)، خاصة أنه لم يُختبر من قبل فى أى موقع تنفيذى بالدولة؟.

مسألة التوقيت اتفق فيها معظم الفرقاء، خاصة السادات وهيكل، وتتلخص فى أن الرئيس كان على وشك السفر إلى المملكة المغربية لحضور قمة عربية يوم العشرين من ديسمبر، وكانت لدى الأجهزة المصرية أن هناك ترتيبًا ما للمساس بحياة الرئيس. لم تكن المخاوف من جلالة الملك الحسن الثانى، بل من الرجل القوى هناك، الجنرال أوفقير، الذى كان يجمع بين قيادة الجيش وكذلك الداخلية. كان «أوفقير» وثيق الصلة بعدد من الأجهزة المخابراتية المعادية لعبدالناصر، وخاصة المخابرات الإسرائيلية، وكان يملك سجلًا مخيفًا، ويمكن لهذا الرجل- من وراء ظهر الملك- أن يُمرِّر عملًا ما ضد حياة عبدالناصر، فيما بعد سوف يتآمر «أوفقير» على الملك الحسن، ويحاول ترتيب انقلاب عليه.

ذكر السادات فى سيرته الذاتية ما سمعه حرفيًا من عبدالناصر، مساء ١٩ ديسمبر.. «أنا مسافر يا أنور.. وزى ما انت شايف المؤامرات حولى كتيرة، ومحتمل جدًا أن أُصاب فى إحدى هذه المؤامرات، وأنا مش عايز البلد تبقى تايهة ومش عايز أسيب البلد فى فراغ، ولذلك قررت أن أعيّنك نائب رئيس جمهورية، وتحلف اليمين قبل ما أمشى». بالفعل أدى اليمين، صباح اليوم التالى، فى حضور حسين الشافعى، وأعلن الخبر، وبهذه الطريقة بدا وكأن القرار اتُّخذ على عجل، أو ليس بذى أهمية، فلم يسبقه تمهيد إعلامى وسياسى أمام الرأى العام.

هذه الرواية المتفق عليها تقريبًا تحولت، فيما بعد، مع اشتداد المعارضة للسادات وكثرة خصومه، إلى وسيلة للطعن فيه شخصيًا، وفى درجة استحقاقه وجدية اختياره نائبًا ومن ثَمَّ رئيسًا، اعتبرها «محمد حسنين هيكل» فى كتابه «خريف الغضب» دليلًا على أن السادات جاء إلى موقعه مصادفة أو تمضية لظرف طارئ، لكن لم يكن اختياره من عبدالناصر ينم عن قصد تام، ولا عن رغبة أو ثقة فى أن يصبح السادات رئيسًا، وقد أضاف هيكل فى «خريف الغضب» اعتبارات أخرى لتأكيد وجهة النظر السابقة مثل حرص ناصر على أن يحصل السادات على معاش كبير (معاش وزير)، ولو صح ذلك لكان مسيئًا إلى عبدالناصر نفسه وليس إلى السادات، وعمومًا هو غير صحيح. كان السادات قد عُين سكرتيرًا للمؤتمر الإسلامى منذ الخمسينيات، وجاءت فى القرار الجمهورى عبارة كانت تتكرر فى قرارات عبدالناصر بخصوص زملائه أو الضباط الأحرار، كانت العبارة تقول: «يُعيَّن بمخصصات وزير»، حتى لو كان المنصب أدنى من الوزير. بعد ذلك شغل السادات منصب رئيس مجلس الأمة (البرلمان)، هو موقع بمخصصات رئيس الوزراء.

ونشط الخيال، واشتدّت النميمة السياسية بالبعض إلى حد القول إن عبدالناصر فى أيامه الأخيرة كان قاب قوسين أو أدنى من عزل السادات واستبداله بالرفيق القديم، الذى كان خارج كل الدوائر منذ سنة ١٩٦٤، عبداللطيف البغدادى، (من المفارقات أن كلامًا مثل هذا قيل بخصوص مبارك والسادات، صيف سنة ٨١)، دعنا الآن من أحاديث حسين الشافعى عن أنه كان الأحق.

الواضح أن عبدالناصر راهن هنا على السادات، لقد راهن عليه من قبل حين ضمه إلى الضباط الأحرار ومجلس قيادة الثورة، ولعل ما جرى من عبدالحكيم عامر مع عبدالناصر بعد حرب يونيو، والذى كان صادمًا له، جعله يعيد النظر فى الكثير من الشخصيات والأصدقاء القدامى. فيما يخص «البغدادى» كان صعبًا على عبدالناصر إعادة الاستعانة به. كان «البغدادى» صاحب موقف ورأى قوى بضرورة أن يتم إبعاد «عامر» عن القوات المسلحة نهائيًا بعد فشله الذريع فى سوريا سنة ٦١، وهو نفس الرأى الذى كان قد قال به بعد العدوان الثلاثى. بدا فيه عدم كفاءته قائدًا عامًا، وفى المرتين كان عبدالناصر محامى وحامى عبدالحكيم عامر من انتقادات ومؤاخذات «البغدادى» وغيره من أعضاء مجلس القيادة. أما وقد صح كل ما حذر منه ونبّه إليه «البغدادى» وثبت خطأً عبدالناصر، فقد بات من الصعب التعامل السياسى والتنفيذى بينهما، فضلًا عن أن العلاقة العملية بينهما كانت قد وصلت فعلًا إلى طريق مسدود منذ سنة ٦٤، وإن بقى الود الإنسانى وازداد. حدث الخلط وقتها لأن عبدالناصر حضر عقد قران ابنة «البغدادى» سنة ١٩٧٠، وكانت معلومة قد وصلت إلى مكتب الرئيس بأن نائب رئيس الجمهورية السابق طلب من بنك ناصر قرضًا بضمان المعاش لتجهيز ابنته. هز هذا الموقف عبدالناصر، وتحملت رئاسة الجمهورية المبلغ الذى طلبه الرجل، واستقبله عبدالناصر، وحضر عقد القران شاهدًا. موقف إنسانى نبيل تجاه زميل وصديق قديم، فى نهاية الرحلة، وتجاه ابنة الصديق، التى هى فى مقام ابنته، لكن النميمة السياسية فى بلادنا وفى كثير من بلاد الدنيا تستنكر ما هو إنسانى بسيط، على المسؤول السياسى، وتتم ترجمة أى تصرف بسيط إلى فعل أو نية بفعل سياسى.

تساؤل السادات يومها إلى عبدالناصر كان عميقًا: «فكرت يا جمال ورسِيت؟». «رِسِيت» فى العامية المصرية تعنى أن تفكيرًا عميقًا سبقها، وأن هناك قرارًا تم اتخاذه بعد اقتناع واطمئنان، باختصار لم يتخذ عبدالناصر قراره على عجل ولا من واقع ضغط مناسبة السفر، فقط، والتخوف من احتمال أى مكروه يقع، لعل التفكير والتدبر كان قائمًا لدى عبدالناصر، منذ الأزمة القلبية الحادة فى سبتمبر من السنة نفسها، وبالتأكيد لم يُخفِ عليه الأطباء حقيقة الموقف، وكان السفر مناسبة لإعلان القرار.

ولكن بتأمل الموقف، وتفحُّص المحيطين بالرئيس عبدالناصر، يتبين أن السادات كان هو الأنسب، وكانت به عدة ميزات، أهّلته لهذا الموقع، ولم تكن متاحة للآخرين.

والحديث متصل.

نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.