.
.
.
.

المرأة الكويتية.. في صفوف الجنرالات

عبدالله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

من ضمن لائحة الأساطير هناك إشارة إلى ما يسمى To cross the Rubicon، وهي الخطوة الصعبة التي تتفوق على الممنوعات وتقتحم المخيف وتحيِّد المربك وتفتح الآفاق من دون كوابح لمختلف الخيارات.
ذكَّرني الشيخ حمد بن جابر العلي الصباح، وزير الدفاع، بمعاني هذه الأسطورة في قراره بالترحيب بالمرأة الكويتية للانضمام إلى القوات المسلحة، ومشاركة الرجال الذين احتكروا شرف ميدان الدفاع عن الوطن، وبهذا القرار يعبر الوزير الشيخ حمد الجابر وبرفقته المرأة الكويتية إلى فضاء كويتي تاريخي يحمل، من دون شك، عناصر التغيير في المجتمع الكويتي، ولن يستقر هذا التبديل في إطار الفضاء الكويتي فقط، وإنما شحناته ستضمن التسلل إلى الفضاء الخليجي الأوسع، ليس في ميدان الجيوش، وإنما إلى أبعاد أخرى.

جاء قرار الوزير تجاوباً مع صرخات التاريخ، ومتناغماً مع أحكام الضرورة، ومن تجربة مؤلمة ودراماتيكية أزالت أوهام المعلقات وأنغام الأشعار تمثلت في الغزو من شياطين البعث العراقي بقيادة صدام حسين، ومن تلك المأساة انتبه شعب الكويت إلى ما يجب أن تكون الكويت عليه في تشييد رادع يصد إمكانية الأطماع وبتأثير يخيف الطامعين لحجم ما سيصيبهم من أذى ودمار، فنحن على وعي بأن الكويت بقعة جميلة في سلوكها وفي محتواها، ومغرية جداً بسبب لطافتها، لا سيما لأنظمة فاشلة في دول تتعرض للانقلابات والاختلالات السياسية والعسكرية، وشهدت تربتها دولاً وسلاطين وأدياناً وطروحات قبلية بدائية، لهذا لا مفر من أن تكون الحدود محصنة والثغرات مغلقة. فإذا نظرنا إلى تجارب الشعوب، فسنجد هناك من تعرض لتجارب تشابه الفصل الذي عشناه مع الغزو، وعالجت هذه الشعوب تلك المآسي بواقع التجنيد العام والحشد الشعبي الجماعي الذي لا يستثني أحداً، ويضم الكل، بما في ذلك المرأة التي هي نصف المجتمع، مع بناء جيوش منسجمة مع تطورات التكنولوجيا، التي ليست بحاجة إلى استيعاب أعداد ضخمة من البشر، وإنما التركيز فيها على الفاعلية الآلية والتدريب الشاق والتأهيل البشري الملائم، فلم تعد الجيوش ترتكز على أمواج بشرية تتلاحق بفدائية نحو خط النار، وإنما على التطور الإبداعي التكنولوجي الذي يأخذ مكان الجيوش الجرارة، ويؤمن الفعالية المدمرة لآليات الخصوم.

لم تأتِ المبادرة من أحلام الوزير، وإنما كما أكدت وزارة الدفاع أن تطور العنصر النسائي في الخدمة العسكرية جاء نتيجة دراسات سابقة، تم تفعيلها بناء على توجهات الوزير، وتضيف وزارة الدفاع أنه ستتم الاستعانة بها في ثلاثة مواقع، في الخدمات الطبية، وفي التفتيش في الحرس الأميري، وفي الهندسة والبرمجة وسلاح الإشارة، كما أشار مسؤول وزارة الدفاع إلى الاستفادة من تجارب دول مجلس التعاون، لا سيما من تجربة المملكة العربية السعودية.

هذا القرار جاء متأخراً، فكان يجب الالتزام به مع تطهير الكويت من آثار الغزو، وانتقالها إلى فصل مغاير لكل ما سبق مأساة الغزو، وحضور المرأة في الشأن العسكري خطوة تظل الكويت في أمس الحاجة إليها، وتتلاءم مع ما يجب أن تكون الكويت عليه، دولة قوية محصنة بجيش يتسلح بالتكنولوجيا ويسخر العقول ويجند الإمكانات الوطنية المتواجدة من رجال ونساء ومن كل الأطراف، مع شركاء إستراتيجيين، وهي شراكة مصالح وقيم ومبادئ، وأهداف تتوسل الأمن والاستقرار القائم على احترام السيادة وحسن الجوار وعدم التدخل وحل المشاكل بالتفاهمات، والابتعاد عن عنف التهديدات.

يتحلى وزير الدفاع الشيخ حمد الجابر بثقة الرأي العام، الذي يرى فيه الوزير المناسب الذي تعرف على نواقص الكويت، فتقبل مضايقات العبور على هذه النواقص، فلا يمكن أن تتخلى الكويت عن الضرورات لتأمين آليات الردع، لأن تياراً من المجتمع غير قادر على استيعاب التحولات التي سببها الغزو، منها تواجد المرأة العسكري، واستدعاء الوعي الكويتي بتأمين السيادة واستمرار السكينة، وذلك بالخروج من ضيق الجلباب الدبلوماسي الناعم الذي أطبق على خيارات الكويت وترك مستقبلها وسلامتها عرضة لتحولات مزاج صدام حسين.

نحن الذين كنا نبتهج جميعاً بالصورة المتلألئة التي حازتها الكويت متثملة بالثناء والمديح العربي، لكن مع الشدة تبين لنا من بكى ومن تباكى كما يقول المتنبي، لم يعد المزاج الكويتي يتقبل التحرش في خطوط بناء الجدار الرادع لسلامة الكويت، والمطلوب من نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع أن يتوجه نحو تقوية الروابط التي تؤمن توحيد القوات المسلحة الخليجية وتعمق إستراتيجية الشراكة في منظومة مجلس التعاون، ويبادر ببعث الديناميكية التي كانت تتوافر وتعثرت مع تصلب المواقف بين الأشقاء، فغيوم التباعد اختفت وحلت تباشير الوفاق.

ولا يتأخر في مساعيه لتطوير فلسفة الدفاع الكويتية المرتكزة على التكنولوجيا وعلى المواهب البشرية والحس الوطني المتدفق وجودة التدريب.

الوزير الشيخ حمد الجابر الصباح نجح في عبور المضيق غير المريح إلى الفضاء الرحب الذي ستكبر فيه الكويت بخططها وتعتز بما يحققه أبناؤها في مسار المهمة المستجدة.

في رثاء الأصدقاء وعن عطائهم

انتقل إلى رحمة الله ثلاثة من شخصيات المواهب الكويتية التي قدمت بسبب مواهبها حجماً إيجابياً في حياة الكويت..

كنت أشاهد المرحوم سيف مرزوق الشملان في المنطقة التي يسكن فيها قرب نقعة الشملان، وكان مهتماً بالتاريخ وبالذات في معاناة الغوص وأثقال حياة البحر، كان يسألني دائماً عن شقيقي النوخذة المعروف عيسى بشارة، ويريد المزيد عن سفراته، وبعدها انتقل إلى منزله في الدعية، حيث أسس ديوانية عجيبة في ندرة أثاثها من التراث القديم، تزينها آليات تسجيل قديمة، كنا نتردد على ديوانيته العامرة ــ نحن المتابعين ــ لما يكتب حول البحر ومسار الكويت معه، ولم يقصر في تدوين تاريخ الكويت، معتمداً على تواصله مع كبار التجار ورجال البحر والبر، ونشر كتابه تاريخ الكويت الذي جدده مرات عدة، والذي قرأه معظم الكويتيين، وجمع فيه معلومات من مصادر معظمها كويتية، فلم يلجأ إلى الأرشيف البريطاني، كما كانت علاقاته مع كبار المسؤولين، ولا سيما أصحاب القرار من أبناء الأسرة، عاملاً جوهرياً في سجلاته التاريخية.

كان بعيداً عن التفاهات في الحياة، مركزاً على ما يفيد، متحايشاً القيل والقال، محولاً ديوانه إلى منبر للتاريخ والفكر والمعرفة، مرحباً بالجميع، خصوصاً زواره من أبناء الخليج، غاب عنا في سنواته الأخيرة لأسباب صحية، رحمة الله عليه، كانت حياته سجلاً للتاريخ وتدويناً للتراث، وتبقى كتاباته خزينة لماضي الكويت.

***

كما افتقدت الكويت المرحوم خالد الصديق، الذي كان صديقاً فناناً يبحث عن الإبداع في التصوير وفي إنتاج الأفلام، كان زاهداً، حياته بسيطة بظروف صعبة لثقته بالناس، وفتح قلبه للجميع فقرصه البعض، زارني في نيويورك بحثاً عن جديد يعود به إلى الوطن، وتعثرت مشاريعه مع الغزو الذي دمر فيلمه «الشاهين» الذي كان يريد عرضه جماهيرياً..

رأيته منذ فترة ليست ببعيدة، شرح لي العقبات التي تعرض لها، ورغم ذلك حافظ على حيويته..

رحمة الله عليه كان فناناً في مظهره وراهباً في دنياه.

***

وتوفى زميلنا في «الخارجية» المرحوم فيصل الحجي الذي تولى الشؤون المالية الإدارية فأجاد فيها، وصار سفيراً في البحرين، فحقق النجاح ونال المحبة، وتولى منصب وكيل الإعلام مع المرحوم سعود ناصر الصباح، وكان ملماً بكل جوانبها، وصار وزيراً ثم نائباً لرئيس الوزراء، كنا نتواصل اجتماعياً، استقطبته التجمعات السياسية من دون الانزلاق إلى أشواكها، وصان قناعاته من دون تحزبات.. تحاشى التخاصم وفضل التعالي، وتعثرت مسيرته بسبب الأمراض التي تعرض لها، فتحمّل أثقالها بصبر المؤمن وواصل العلاج آملاً بالشفاء، صابراً بلا توتر، وقابلاً بمتاعب العلاج وباقياً على الأمل.

حزنت عليه لطيب معشره، أسكنه الله واسع جنانه وألهم أهله وأصدقاءه الصبر..

وكل نفس ذائقة الموت.

نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.