.
.
.
.

أسوأ وظيفة في العالم

كرم نعمة

نشر في: آخر تحديث:

وفق هذا المؤشر للأسوأ لا يتعلق الأمر بالمرتب الذي يحصل عليه العامل في تلك الوظيفة، ربما يكون مكونا من رقم مقابله ستة أصفار! لكن ذلك لا ينفي وفق المعيار الأخلاقي والوطني أنه يشغل الوظيفة الأسوأ. تماما مثل تاجر المخدرات الذي يحصل على مال وفير من عمله. لكن لا يمكن اعتباره بأي حال من الأحوال أنه يشغل وظيفة جيدة.

كان الممثل توم هانكس ينصح القرصان الصومالي الذي يريد الاستيلاء على سفينته في فيلم “القبطان فيليبس” بالقول إن هناك الكثير مما يتاح لك أن تعمله أفضل من قرصنة السفن!

كولوم لينش كبير المراسلين الدبلوماسيين في مجلة فورين بوليسي الذي تنقّل في أروقة الصحافة من واشنطن بوست إلى بوسطن غلوب، يرى أن أسوأ وظيفة في العالم هي لموظفي الأمم المتحدة الذين يراقبون تنفيذ العقوبات ومراقبة حظر الأسلحة والسفر من دون أن يربط عامل الراتب كمؤشر في ذلك الاستقراء.

لكنني، وعلى الأغلب لست وحدي، من يرى وفقا للمعيار الأخلاقي والوطني، أن أسوأ وظيفة في العالم اليوم هي ما يشغله السياسيون ورجال الدين في العراق. فهؤلاء جميعا يحصلون على أموال طائلة سواء عن وجه حق أو من دون حق. ويتمتعون بوظيفتهم وشهرتها، لكنهم الأسوأ بنظر أربعين مليون عراقي، مضافا إليهم الملايين من شعوب دول أخرى بمن فيهم نظراؤهم من السياسيين. فهؤلاء السياسيون ورجال الدين يعدون ويكذبون، يسرقون الدولة ويصرحون بأنهم قادة مكافحي الفساد، يتحدثون عن الوطنية فيما الطائفية تسيطر على تفكيرهم، يمارسون القتل على الهوية ويطالبون بجيش وطني، يمجدون عراقيتهم فيما هم خاضعون لدول أخرى..

الخاسرون في الانتخابات البرلمانية يساومون على حصة في الحكومة قبل السماح بالتصويت عليها، تتمثل بالإبقاء على كبار الموظفين التابعين لتلك الأحزاب الخاسرة في مؤسسات الدولة، ليدروا عليها المال

كذلك يسهل على أي عراقي أن يحدد لك عوامل السوء في الوظيفة التي صارت متاحة للجهلة واللصوص والأفاقين وقطاع الطرق، الذين تحولوا إلى سياسيين ومرشدين أخلاقيين ورجال دين يدافعون عن العقيدة والطائفة.

لدي مثال عن أحد أولئك الأسوأ في تاريخ العراق السياسي، فهادي العامري الذي يتباهي بتاريخه اللاوطني وإخلاصه لإيران، يمثل بامتياز فكرة الانحطاط السياسي عندما زعم أمام تجمع من أنصاره قبل يومين من إجراء الانتخابات التشريعية بأن جهات “لم يسمّها” لم تسمح لهم بتقديم الخدمات للمحافظات الجنوبية؛ بذريعة أنهم من أتباع علي! وقال “مثلما حرموا الإمام علي ابن أبي طالب، كذلك لم يسمحوا لنا أن نقدم الخدمات لأهلنا في هذه المحافظات سواء في ميسان أو ذي قار أو المثنى أو البصرة، لم يسمحوا لنا، لأننا من أتباع علي”!

لا تكمن المشكلة فيما إذا كان الجمهور سيصدقه أم لا، لكن المشكلة العميقة عندما يفكر مثل هذا السياسي بتلك الطريقة. إنه موظف حكومي سبق وأن شغل منصب وزير المواصلات، ويمتلك اليوم سطوة التأثير السياسي بوصفه رئيس كتلة برلمانية وزعيم أكبر ميليشيا طائفية. لكنه في حقيقة الأمر يعبر عن أسوأ ما يمكن أن يتخيّله العراقي في السياسي الحاكم.

بإمكان أي من العراقيين إدراج سلسلة طويلة عن مفهوم الأسوأ في حياتهم السياسية كمعادل للعامري. ذلك يعني أن هذه النماذج أدخلت العراق في أزمة وجودية عميقة، تجعل الخيار بين إطعام الشعب أو إغناء اللصوص. والثانية عملية مستمرة يديرها موظفون كبار هم أسوأ من يشغل وظيفة لصوص الدولة في العالم.

ويمكن اعتبار العراق درساً ومثالاً واضحاً من هذه الناحية، وفق الصحافي روبيرت وورث في صحيفة نيويورك تايمز، حيث كان الفساد في حقبة الثمانينات نادراً، وكان معظم وزراء نظام صدام حسين الدكتاتوري مراقبين بشكل جيد. إلا أن التحول حدث خلال التسعينات عندما فرضت الأمم المتحدة طوقا من الحصار القاسي. فخلال فترة سبع سنوات انخفض دخل الفرد الوسطي. لم يتمكن المسؤولون الحكوميون من العيش دون تلقي الرشاوي والتي أصبحت عملة تداول يومية.

لقد أدار أصحاب أسوأ وظيفة في العالم عملية فساد كبرى يصعب مع استمرارها احتساب ما تم سرقته من العراق منذ عام 2003، فقد أبرمت الصفقات بشكل نقدي وأصبح من الصعب الحصول على الوثائق التي تثبتها، كما أن الإحصاءات الحكومية عادة ما تكون غير دقيقة. ومع ذلك فإن المعلومات المتاحة تشير إلى أنه تم نهب ثروات العراق بشكل غير قانوني إلى خارج البلاد أكثر من أي دولة أخرى.

بالنسبة إلى غير العراقيين، قد تبدو الحياة السياسية العراقية مثل حرب العصابات، لكنها في معظم الأوقات تتم تحت غطاء هذا الصراع سرقات بمنتهى الهدوء. ففي كل وزارة حكومية يكمن الفساد في اتفاقيات غير مكتوبة مع أحد الفصائل الشيعية المسلحة.

اليوم ثمة وظيفة للسياسيين الأسوأ تتمثل في نفس وظيفة رجال العشائر الذين يدوسون على القانون بإدارة المنازعات الشخصية. ويفرضون ديات مالية وفق اتفاقات متخلفة في النزاعات العشائرية تعبر عن ضحالة الوعي السائد في المجتمع.

يسهل على أي عراقي أن يحدد لك عوامل السوء في الوظيفة التي صارت متاحة للجهلة واللصوص والأفاقين وقطاع الطرق، الذين تحولوا إلى سياسيين ومرشدين أخلاقيين ورجال دين يدافعون عن العقيدة والطائفة

ما يحدث في اجتماعات الكتل السياسية بشأن الكتلة الأكبر والاتفاق على ترشيح اسم رئيس الحكومة، هو تعبير عن مفهوم الفصول العشائرية التي يديرها لصوص الدولة من السياسيين. فالخاسرون في الانتخابات البرلمانية يساومون على حصة في الحكومة قبل السماح بالتصويت عليها، تتمثل بالإبقاء على كبار الموظفين التابعين لتلك الأحزاب الخاسرة في مؤسسات الدولة، ليدروا عليها المال.

يتداول العراقيون بشكل علني ثمن صعود الوزراء للمنصب كما يعرفون صفقات الرئاسات الثلاث، فلكل وزارة ثمنها بين الكتل والأحزاب، نزولا إلى وكلاء الوزارات والمدراء وحتى المحافظين وأعضاء مجالس المحافظات.

ولأن البورصة مفتوحة فقد كشف المرشح المستقل الفائز في الانتخابات التشريعية عن محافظة واسط، سجاد سالم، أن عروض الأحزاب السياسية المهيمنة لشراء مقاعد النواب المستقلين فلكية ووصلت إلى خمسة مليون دولار للمقعد البرلماني.

دعك من الكلام السياسي المتصاعد اليوم عن الاتفاق وتشكيل الحكومة، لأنه مجرد لغو صار يتهكم عليه العراقيون. هناك اجتماعات مستمرة يديرها من يشغلون أسوأ الوظائف في العالم عندما يتعلق المقياس بالقيم الوطنية والأخلاقية. من أجل الاتفاق على ضمان حصة الخاسرين في الانتخابات من سرقة الدولة العراقية التي سيحكمها الفائزون!

نقلا عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.