.
.
.
.

أكتوبريات محمد صلاح

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

هذا اليوم هو آخر أيام الشهر الذى نبث فيه شحنة وطنية كبيرة فيها من العواطف قدر غير قليل، ومن إدراك القدرة الكثير. وربما لا توجد علاقة مباشرة بين حرب أكتوبر ولاعب الكرة العالمى المصرى، محمد صلاح، فالرجل وُلد بعد الحرب بفترة غير قليلة، ولكن كان لديه قدر كبير من أخلاقها القائمة على مواجهة تحديات كبرى. وما جرى خلال الأسابيع الماضية من ربط بين الحرب العظيمة وواقع المشروع الوطنى الحالى كان عاكسًا للتواصل بين الأجيال المصرية التى عبرت قناة السويس، وتلك التى حفرت قناة السويس الجديدة، وحفرت تحتها ستة أنفاق عظمى هى السبيل لتنمية وتعمير سيناء. ربما لم يكن «صلاح» بعيدًا عن أى من ذلك وهو يعبر من «نجريج» إلى القاهرة، ثم من القاهرة إلى بازل السويسرية، ومن هذه الأخيرة إلى لندن، ومن بعدها روما حتى ذهب إلى ليفربول. فى كل هذه الرحلة كان مُحمَّلًا بآمال وأحلام، وبالطبع دعوات، الكثير من المصريين. لم تكن الرحلة سلسة ولا سهلة، وفى العام الماضى وحده واجه «صلاح» وفريق ناديه كثيرًا من التراجع، وفقدان الكثير من المسابقات، وكانت الكرة عَصِيّة على دخول المرمى، وهى التى كان يسجل منها قبلًا- حسب كلمات «يورجن كلوب»- وهو مغمض العينين. قبل أن يمر العام، كان «الملك المصرى» يسجل كما نعلم، حتى بات أفضل لاعب على ظهر الكوكب. أثناء هذه الرحلة الأخيرة، ذاعت بين المحللين والنقاد مقولة إن اللاعب «اشتغل على نفسه» يروضها ويدربها ويأخذها بالإيمان والخشوع إلى حيث يكون له فوز وانتصار. علميًا فإن ذلك يعنى أن اللاعب استعاد تركيزه، فلا طالت الكرة ولا قصرت، وإنما استقرت بين الشباك.

القصة «أكتوبرية» بامتياز، وفيما راجعته من ندوات وورش عمل ولقاءات إعلامية فى ذكرى حرب أكتوبر، غاب الكثير من التفاصيل التى كانت توضح حجم التحدى الهائل الذى عكس قدرات الخصم، وكيف اشتغل المصريون على أنفسهم لكى ينجزوا ما أنجزوا. فى يوم التاسع من أكتوبر ١٩٧٣ أرسلت جولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل، رسالة إلى الرئيس الأمريكى، ريتشارد نيكسون، ووزير خارجيته، هنرى كيسنجر. محتوى الرسالة لم يكن جديدًا، فقد سبقتها رسائل كلها تطلب من الولايات المتحدة تعويض إسرائيل عن خسائرها، ولكنها هذه المرة أضافت أمرًا مهمًا فى جملة واحدة تضيف إلى الإلحاح تهديدًا بأن إسرائيل سوف تستخدم كل ما لديها من القوة لكى تنتصر فى الحرب. «ناداف سافران»، الأكاديمى الأمريكى المتخصص فى الشؤون الإسرائيلية والصراع العربى الإسرائيلى، فسر التعبير بأنه كان تهديدًا باستخدام السلاح النووى؛ وأصبحت الولايات المتحدة أمام اختيار أن ترسل التعويض عن الخسائر أو تواجه احتمال دخول الحرب فى مدار جديد وارد وجائز. وفى الحقيقة فإن القيادة المصرية آنذاك كانت واعية، وكانت الكتائب المصرية لديها أدوات لكشف الإشعاعات النووية إذا ما حدثت؛ وفى الكتيبة ٦٥٤ مقذوفات مضادة للدبابات كنت مسؤولًا عن هذه المهمة سواء كانت إشعاعية أو كيماوية.

قصة الإمداد الأمريكى لإسرائيل بالسلاح معروفة، فقد بدأت الولايات المتحدة، وقبل أن يغيب يوم التاسع من أكتوبر، بإمداد إسرائيل بالسلاح من خلال تأجير طائرات مدنية، واعتبارًا من يوم ١٣ أكتوبر بدأ الجسر الجوى الأمريكى الشامل فى الوصول إلى إسرائيل. كان مجلس الأمن قد غيّر موقفه من وقف إطلاق النار والعودة إلى نقطة بداية الحرب، إلى وقف إطلاق النار فى المكان، أى القبول باستمرار مصر فى الاستحواذ على المناطق التى حرّرتها. لم يكن ممكنًا أن تنسحب مصر من أرضها إلى أرضها، واستمر القتال الذى دخل إلى مرحلة جديدة حينما دخل سلاح البترول، ومعه جاءت المنافسة بين القوتين العظميين، والتى وصلت إلى حد الاقتراب من الحرب النووية. كانت مصر قد دخلت ميدانًا جديدًا من تعقيد السياسة والاقتصاد والحرب والسلام؛ ولكنها فى كل الأحوال كانت رافعة الرأس لأنها غيّرت من نفسها. وكان يمكن للحرب أن تكون بداية التغيير الدائم فى المشروع الوطنى الذى وضعه الرئيس السادات، ولكن «قوى الشر» كانت حاضرة بمشروعها، مرة بالمزايدة بمشروع «تحرير فلسطين»، ومرة بالمناقصة بالعودة بمصر كلها إلى أكثر من ألف عام إلى الوراء.

لا أعرف إلى أى مدى عرف أو تأثر «صلاح» بما جرى قبل مولده بعقدين، ولكن من الجائز أنه سمع كثيرًا من الحكى والقصص، وهو فى كل الأحوال وبعد مسيرة فى الدورى والمنتخب المصريين أدرك أن عليه التحليق إلى حيث يوجد العالم المتقدم. وكان ذلك هو ما يريده تمامًا جيل جديد من ثوار مصر.

* نقلا عن " المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.