.
.
.
.

الرأسمالية والعقل

وحيد عبد المجيد

نشر في: آخر تحديث:

هل توجد علاقة سببية يمكن الاطمئنان إليها بين التطور الاقتصادى الذى أنتج الرأسمالية، والظروف التى بزغ فيها العقل الحديث أو العقل التنويرى العلمى الحداثى؟ وفى صيغة أكثر تحديدًا، هل كان بزوغ هذا العقل سببًا فى نشوء الرأسمالية؟

يوجد أكثر من رأى فى هذا الموضوع الذى تكثر فيه الانحيازات المسبقة، وتؤثر فى الإجابة عن السؤال. ولكن بم يُجيبنا التاريخ، وأيهما سبق الثانى؟ يُفيدنا التاريخ أن الرأسمالية نشأت فى رحم النظام الإقطاعى الكلاسيكى فى أوروبا، والاقتصادات الزراعية المُسماة مجازًا إقطاعية فى مناطق أخرى، وأن إرهاصاتها الأولى بدأت فى الظهور فى القرن الخامس عشر مع ازدياد التعامل بأشباه النقود (بدأ استخدام النقود الورقية فى نهاية القرن 17) على حساب المقايضة، ومن ثم حدوث إرهاصات ما نُسميه التراكم الرأسمالى البدائى الذى استُثمر فى توسيع نطاق التجارة، فانتعشت وازداد ثراء عدد متزايد من التجار فى سوق جديدة واسعة اكتسبت استقلالاً تدريجيًا لكنه مطرد عن سوق المنتجات الزراعية المحلية المحدودة.

كان هذا تطورًا طبيعيًا لم يرتبط بأفكار معينة، لأنه حدث قبل أن يبدأ العقل الحديث فى ملاحقته فى النصف الثانى من القرن 18، عندما أصدر آدم سميث كتابه المشهور «ثروة الأمم» عام 1776.

ويُفيد هذا التسلسل التاريخى أن الرأسمالية سبقت اهتمام العقل الحداثى بها، وأن هذا الاهتمام لم يبدأ إلا مع المرحلة الثانية فى تطور الرأسمالية بفعل الثورة الصناعية الأولى انطلاقًا من بريطانيا واعتمادًا على اكتشاف المُحركات البخارية.

ولم يكن ممكنًا أن يكتب آدم سميث «ثروة الأمم» إلا بعد أن بلغت المرحلة الأولى فى تطور الرأسمالية ذروتها، وأصبح هناك واقع يحفز على التفكير فيه ومناقشة أبعاده وآفاقه، وطرح أفكار كان أهمها أن السوق الحرة تُنظم نفسها بدون حاجة إلى تدخل.

يُخبرنا التاريخ إذن أن العقل العلمى الحداثى لم يخترع الرأسمالية التى سبقته، ولم يكن مسئولاً عن انفلاتها من القيم الإنسانية، بل على العكس سعى كثير من المفكرين والأكاديميين إلى ترشيدها اعتمادًا على هذه القيم، وواجهتهم صعوبات نبقى معها فى الغد.

* نقلا عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.