.
.
.
.

السنة الأخيرة للعهد العوني: "أخيرا" الهاوية القاتلة!

نبيل بومنصف

نشر في: آخر تحديث:

لم يتصور حتى أشد الخصوم السياسيين لعهد الرئيس اللبناني ميشال عون أن يذهب الإفراط في التعنّت السياسي والمكابرة الهائلة التي طبعت "إدارة" الأزمة الدبلوماسية بين لبنان والدول الخليجية وفي مقدمها المملكة العربية السعودية بهذا العهد وبهذه الحكومة إلى ما تسببا به للبنان في هذا التوقيت القاتل. المفارقة الساخرة، ولعلها مفارقة مضحكة – مبكية في رمزيتها وواقعيتها، أن تسجل أخطر وأسوأ أزمة لبنانية – سعودية – خليجية في تاريخ لبنان وعلاقاته العربية عشية إطفاء الرئيس عون الشمعة الخامسة من ولايته الدستورية إيذاناً ببدء السنة السادسة الأخيرة.

تكتسب المفارقة دلالات مثقلة للغاية بالقتامة المطلقة اذ بدا أول وأخطر انهيار في علاقات لبنان مع السعودية ودول خليجية أخرى كأنه تتويج دراماتيكي للسنوات الخمس حتى الان للعهد العوني في استتباع الحكم والسياسات المصيرية الداخلية والخارجية إلى المحور الموصوف "بالممانع"، أي عملياً المحور الإيراني وتالياً استتباع العهد بالكامل لإملاءات "حزب الله"، الأمر الذي باتت أخطاره مصيرية، ليس من ناحية التسبب بعزل لبنان خليجياً فحسب، بل لجهة محاولات حرف لبنان عن هويته العربية مع كل ما يشكله ذلك من دمار حقيقي لموقفه وموقعه التاريخي في المنطقة.

الأسوأ في ذلك، وفي ما كشفته وقائع الأزمة التي انفجرت بقوة عاصفة عقب اعلان المملكة العربية السعودية سحب سفيرها من بيروت وطلبها من سفير لبنان في الرياض مغادرة المملكة والإجراءات الأخرى التي رافقت هذا الاجراء، أن واقع العهد والحكومة والسلطة ازداد انكشافاً ووهناً على نحو فضائحي، إذا صح التعبير، إذ صور الأمر كأن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي شل وزراء الثنائي الشيعي حكومته بعد أربعة أسابيع فقط من انطلاقتها ولا يزالون، وسط خضوعه ورئيس الجمهورية لاشتراطاتهم، عجز مرة جديدة عن إقناع وزير الاعلام جورج قرداحي الذي تسبب للبنان بتفجير هذه الازمة المخيفة بالاستقالة الطوعية نظرا الى عدم امكان عقد جلسة لمجلس الوزراء لاقالة قرداحي بأكثرية ثلثي الأصوات. والواقع ان ميقاتي كما عون رضخا لارادة "حزب الله" الذي رفض استقالة قرداحي وماشاه حليفه رئيس "تيار المردة" سليمان فرنجية الحالم بقوة بدعم الحزب له هذه المرة لانتخابه رئيساً للجمهورية بعد سنة تماماً من الآن.

يتلاعب "حزب الله" بمعايير الاستقواء بسلاحه في وجه خصومه فيما يمسك باستتباع العهد والحكومة لارادته وشروطه من دون وازع أو رادع أو قدرة داخلية على صده عن إغراق لبنان في عزلة مخيفة بعدما باتت النظرة الخارجية الغالبة الى واقع لبنان انه واقع بالكامل تحت وطأة النفوذ والوصاية الإيرانيين والبعض يصفه بالاحتلال الإيراني. هذا التطور المخيف غير المسبوق الذي سجل عشية بدء السنة السادسة من عهد الرئيس الثالث عشر للجمهورية اللبنانية ميشال عون وضع البلاد واقعياً أمام المقياس الأشد خطورة للاندفاع نحو المتاهة الأخطر في سلسلة الانهيارات التي بات يعتبر عهد عون في ظلها أسوأ ما شهده لبنان في تاريخ العهود منذ نشأة الدولة والجمهورية فيه، بل انه تجاوز بمقاييس كبيرة واسطورية الكوارث التي حصلت في حقبات الحرب الاهلية والاحتلالات الخارجية للبنان.

وتبعاً لهذه الانطباعات القاتمة، لم يعد ثمة من يفرمل المخاوف المتعاظمة من أن تغدو السنة السادسة من العهد حمالة الشؤم الأقصى لأن إمكانات انقاذ لبنان من الانهيار الأكبر مالياً واقتصادياً واجتماعياً صارت بنسبة تحت الصفر بعدما شلت الحكومة وصار مصيرها على المحك، كما ان طغيان الحسابات الشخصية لدى العهد وتياره الحزبي وعلى رأسه صهره الطامح بجموح الى وراثة عمه في بعبدا لن يدع العهد يقوم باي سياسات تساهم في التخفيف من تتابع الكوارث، بل العكس هو الصحيح بدليل المواقف والتصرفات المعلنة والمبطنة التي اتخذها ويتخذها العهد وصهره من التحريض على سمير جعجع واذكاء نار الحقد والانقسامات مسيحيا ولبنانيا وطائفيا. وما بين الاستتباع لـ"حزب الله" والانجراف إلى أحلام السلطة والبقاء في بعبدا، ومع وهن كل الافرقاء الآخرين فان الانهيار الكبير في لبنان الذي تحذر منه كل تقارير الدول والهيئات الدولية لم يعد يهرول بسرعته السابقة بل بدأ الجري السريع والاسرع مما يتصور كثيرون نحو الهاوية القاتلة!

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.