.
.
.
.

إلغاء «الطوارئ».. والخطوة التالية

ياسر عبد العزيز

نشر في: آخر تحديث:

عرفت مصر الحياة الحزبية فى نهايات القرن التاسع عشر، عندما نشأ «الحزب الوطنى»، كتعبير سياسى مؤسسى، يتجاوب مع المطلب السياسى الحيوى آنذاك، وعنوانه «الاستقلال».وكان أول حزب جماهيرى مصرى فاعل هو حزب «الوفد»، الذى أنشأه الزعيم التاريخى سعد زغلول، ورفاقه، فى مواكبة ثورة 1919، للمطالبة باستقلال البلاد عن المحتل البريطانى.

وقبل ثورة يوليو، عرفت مصر حياة حزبية نشطة فى كنف الاحتلال، ونشأ عدد كبير من الأحزاب، التى استطاعت أن تشكل معالم ما عُرف بـ«الحقبة الليبرالية»، حيث كان بعضها مخلصا لقضية التحرر من الاستعمار البريطانى، بينما كان بعضها الآخر يعكس توجهات أيديولوجية صارمة، أو يتطلع إلى المنافسة من أجل الوصول إلى الحكم، من دون أن يمتلك قاعدة جماهيرية كتلك التى يمتلكها «الوفد».

لكن ذلك الحراك السياسى الحيوى، الذى أثمر إعلان دستور 1923، وبلور تجربة متكاملة فى المقاومة السياسية والتنافس من أجل الوصول إلى السلطة، شهد صدمة كبيرة، أطاحت عالمه، مع اندلاع ثورة يوليو.

رأت الثورة آنذاك أن الأحزاب أفسدت الحياة السياسية، وعطلت تحقيق أمل البلاد فى الاستقلال، وأغرقتها فى الفساد والمماحكات الانتخابية، التى فشلت فى مقابلة تطلعات الجماهير نحو الاستقلال أو التنمية.

ورغم أن الثورة جعلت «إقامة حياة ديمقراطية سليمة» أحد مبادئها، فإنها حظرت الأحزاب، وأنشأت لاحقاً تنظيما سياسياً واحداً، وأقامت حكماً شمولياً، حقق إنجازات ضخمة وملموسة، ومُنى بهزائم كارثية، لكنه لم يفتح الباب لإنشاء الأحزاب، إلا بعدما جاء الرئيس السادات إلى الحكم.

يربط علماء وباحثون بين التحديث والأحزاب السياسية، بوصفها آلية سلمية ناجعة لتحقيق المشاركة السياسية، وضمان المؤسسية، والتعبئة الاجتماعية، التى من دونها لا يمكن أن يتحقق التحديث، وفق ما يؤكد هنتنجتون.

إن التنظيم المؤسسى للأحزاب، وإرساء قواعد منافسة حزبية عادلة يعززان القدرة على الحشد، وطرح البرامج، واستعراض البدائل، واختيار الأفضل بينها، بما يرسم صورة تتسم بالحداثة والليبرالية.

وفى أعقاب انتفاضة 25 يناير 2011، شهدنا انفجاراً حزبياً هائلاً، أدى إلى تلك الحصيلة الضخمة التى تجسدت فى أكثر من مائة حزب سياسى، يمكن ببساطة اعتبارها كماً لا كيفاً، لأنها بكل تأكيد تفتقد القدرة على التأثير السياسى. ومن ذلك أن بات لدينا عدد كبير من الأحزاب من دون تعددية، وحياة حزبية من دون فاعلية.

ويؤكد علماء السياسة أن ثمة خمسة مؤشرات تحدد مدى فاعلية الحزب السياسى، أولها قدرته على المنافسة من أجل الوصول إلى السلطة، وثانيها أن يمتلك قاعدة جماهيرية معتبرة يمكن أن تسانده فى الانتخابات، وثالثها أن يطور برنامجاً سياسياً قابلاً للتنفيذ، ويتسم بالوضوح، والتمايز عن المنافسين، ورابعها أن يتوافر على درجة من المؤسسية والتنظيم الفعال، وخامسها أن يتمتع بالاستمرارية والتماسك.

حين نستخدم تلك المؤشرات فى معاينة الحالة الحزبية المصرية الراهنة لا نجد أن الأحزاب السياسية، التى يتعدى عددها المائة حزب، تتسم بقدر ملائم من الفاعلية السياسية، وهو أمر أسهمت فيه الدولة، والمجتمع، وتلك الأحزاب نفسها.

ومخاطر هذا الإخفاق كبيرة، إذ إن كل ضعف تنطوى عليه الحياة الحزبية سيوفر رصيداً ودعماً للدعاوى السياسية التى تستخدم الدين.

وفى الأسبوع الماضى، حدث تطور مهم فى مصر عندما أعلن رئيس الجمهورية عن وقف تمديد حالة الطوارئ للمرة الأولى منذ سنوات، بعدما وصلت البلاد إلى حالة من الأمن والاستقرار وكفاءة عمل المؤسسات مشهود لها.

إن هذا القرار يعيد البلاد إلى الحالة الطبيعية، ويترجم الجهود التى بُذلت على مدى السنوات السبع الماضية، ويجنى ثمار الإنجازات التى تحققت.

ولكى تكتمل تلك الخطوة الإيجابية، فسيكون من المهم إلحاقها بخطوات مثل تعزيز انفتاح المجال العام، وتطوير العمل السياسى التنافسى، وهو أمر ستكون الأحزاب الفعالة والقوية إحدى أهم أدواته.

* نقلا عن " المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.