.
.
.
.

الكويت.. في مشاتل العفو

عبد الله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

أول الكلام يحمل عبارات التقدير والاحترام لسمو الأمير الشيخ نواف الأحمد الجابر، رجل العفة وأمير الحنان ورمز التسامح، فإذا كان افتتاح الدورة الجديدة لمجلس الأمة تميز ببهجة التفاؤل وطي شحنات القلق، فقد جاء ذلك من منابع الكويت التاريخية في التآخي وتلاقي المشاعر وتداخل المصير، وتمثلت في خطوة سمو الأمير ومباركته للحوار، الذي جاء من قناعة القيادة ومن تراث التشابك بينها وبين أهل الكويت، ومنه جاءت المرونة التاريخية الكويتية في تجاوز التباينات الداخلية مع الصلابة في إفشال التآمرات الخارجية.
ولا شك بأن هذه المباهج أدخلت اليقين بعودة أبناء الكويت، الذين ابتعدوا عن التواجد في حياتها، لكنهم تابعوا شؤونها من بعيد، ونتمنى أن تكمل الإجراءات التي تؤمن عودتهم جميعاً.

وأتمنى أيضاً أن يعودوا بلا تحفظات وبلا موانع تصدهم عن المشاركة فيما يريدون، مع ترك الحرية لمن يجاهد لممارسة ما يحلو له في المسار السياسي.

مشاركة العائدين لن تكون باللون الذي كانت عليه، فالعفو خطوة بتبعات تراعي حقائق الحياة، فليس ما كان محتملاً بالأمس يظل مناسباً لتطلعات اليوم، فليست الكويت في بيئة تتناسب مع الحدة في التعبير والشدة في التصرف، فقد كان واضحاً أن ابتعادهم لا يحمل المسرات في صفحات الكويت، ومع ذلك، فإن كل شيء مشى وفق إيقاعه المعتاد، فالمعروف عن الكويت قدرتها على ترويض المؤسف وتخطيه باليقين بأن الغد قادر على التعاطي مع المزعجات.

هذه حقيقة استوعبناها من أحداث الماضي البعيد والقريب ومن واقع اليوم.

كما رافق تلك الأجواء صوت شعبي قوي بأن الكويت تتحمل الاختلاف في المواقف وفي الاجتهادات، لكنها لا تقبل التطاول على ما يمس سلامتها ولا اللجوء إلى ما يضعف مؤسساتها، أو يشوه تشابكها الاجتماعي وتوافقها الدستوري.

كان خطاب سمو رئيس الوزراء أمام البرلمان محمولاً بروح التفاؤل، الذي يشجع الشعب الكويتي ليأمل بأن ترافق ذلك الأمل شحنات من ديناميكية في الانطلاق بمشاريع وبحيوية قيادته لتأمين التنفيذ وإصرار على إبعاد المقصرين ورعاية القادرين، وبالطبع فإن مثل هذه التمنيات تحتاج إلى وزراء أكفاء، يختارهم سمو الرئيس لقوة كفاءتهم وليس لإرضاء جماعتهم، يتفاعلون مع حرص الرئيس على تنفيذ البرامج التي يعد بها الشعب، ويحققون معه نجومية الإنجاز ويتمتعون بثقة الشعب المتابع، ونقدر جهود الوزراء الذين ابتعدوا، فالمسؤولية الوزارية في الكويت مرهقة وأثقالها أكبر من حصادها.

نحن على علم بأخلاقيات سمو الرئيس وبنظافته وحرصه على الاتقان وبمحبوبيته الاجتماعية، لكنه يحتاج إلى مساعدين من أصحاب الخبرة، يساندونه في مهمات لا تسمح أوقاته وظروفه القيام بها، وليكن من أبناء الأسرة المجربين، يتواصلون مع الهيئات والتجمعات السياسية والفكرية ومنظمات المجتمع المدني، ناقلين للرأي العام الكويتي هموم القيادة وطلباتها، موضحين مسببات التأخير وشرح العقبات، وعرض المعاناة، مع لقاءات صحافية تبرز لمنتديات الإعلام ما تطمح له الحكومة، ودور الإعلام في التثقيف بها.

نحن في الكويت لم نمارس فنون تطويع الخبرات الكويتية المتوافرة للمهمات الوطنية والاستفادة من تجاربها، وهذه المهمات لا تنحصر في الشأن الداخلي، وإنما أيضاً في علاقاتها الخارجية.

تحتاج الكويت في مسارها الخارجي إلى تواجد مكثف ومتواصل مع صناع القرار المؤثر في أمن واستقرار الأسرة العالمية، فالرادع الثنائي الخشن والناعم يشكل العمود الجوهري لاستقرار الكويت، وإذا كان الجانب الناعم يمكن توفيره عبر التواصل والحوار والاستثمار، وتبادلية المصالح مع ترسيخ الالتزام بالمعاهدات الدولية والوفاء لمبادئها وصفاء النوايا، فإن الرادع الحاد والمؤثر يتحقق عبر الشراكة الاستراتيجية التي ترتبط بها الكويت مع الأصدقاء الاستراتيجيين.

ونضيف: طالما نتحدث عن مشاتل الخير الواعدة، بأن التبرم الشعبي، الذي يتردد وبصوت عال، مصدره الإعياء الشعبي من الفساد ومفاجآته واتساعاته وتنوع اللاعبين في ملاعبه وفي غرفه المظلمة، مع نهايات غير معروفة لأبطاله، وتساؤلات عن آليات العقاب وبطء الإجراءات.

وأستطيع القول بأن آفة الفساد وأسلوب التعامل معها، تحولا إلى معايير النجاح أو الفشل لمسار الحكومة، وبالذات لمقام ومكانة أعضائها.

ولم تقصّر صحافة الكويت في بسط قضايا الإسراف المالي، الذي يعبّر عن سوء التقديرات في الصرف على مختلف برامج الحكومة، وعلى قضايا طارئة، ضاعفت العجز وغيرت الأولويات.

وماذا عن دور النواب في تأمين حصاد العفو وفي الحفاظ عليه وفي مضاعفة عطائه، فنتذكر أن الدستور وثيقة الشراكة بين النظام والشعب – ممثلاً في مجلس الأمة - وعلى الطرفين الالتزام بحقوقها وشروطها.

فتنجح المسيرة إذا تكاتف الطرفان في تجاوز التباين في الاجتهادات، فأكثر ما يخلق التوتر هو آلية الاستجوابات التي يستسهلها النواب للتعبير عن عدم الرضا لمسببات، ليست بالضرورة تتعلق بالبرامج والمشاريع، وإنما بمدى بشاشة الوزير وعمق مشاعره في تسهيل ملف الطلبات التي يحملها النائب، وكلها خدمات خارج التغطية القانونية، من توظيف وعلاج خارجي وتبديل مراكز ونقل مقر مريح إلى مقر أكثر ارتياحاً، وتحولت الممارسة إلى تعسف في الاستعمال وغلاظة في المحتوى وخروج عن أصول الممارسة البرلمانية.

هناك دور لرئيس المجلس وللحكماء من الأعضاء، يتمثل في ممارسة فنون التبريد عبر الإقناع والتأجيل لمناخ ملائم، وإن لم يتحقق ذلك فليكن عبر تجنيد تجمع الاعتدال والضغط على النائب لتحقيق الهدوء تحقيقاً للمصلحة العامة.

كان الاستجواب في بداية التجربة مستبعداً، ونادراً ما يحدث، وإذا حصل فإنما لمسببات سياسية وليس لنزاعات شخصية، ولم يكن لها صدى داخلي لمحدودية الاهتمام وضيق ساحة الإعلام، كما لم ينبت من فشل في توفير خدمة يريدها النائب.

ويمكن للمجلس التوصل إلى صيغة توافقية تحافظ على مبدأ الاستجواب، على أن يأتي الطلب من عشرة نواب وليس من شخص واحد، لمسببات شرعية ومبررة تؤمن الاستقرار الوزاري واستمرار المتابعة، ويمكن للحكومة أن تقترح التعديل على هذا البند من اللائحة الداخلية، فلا علاقة لهذه المادة بالقيم العالية والمبادئ النبيلة التي يجسدها الدستور، والتي يتولد منها التوافق المجتمعي حول النظام السياسي للدولة.

في هذه المرحلة التفاؤلية الجماعية، ومع الإبحار بالكويت إلى فضاء الألفة والارتياح، تكبر التوقعات بإنجازات تاريخية كبيرة في حجمها وفاعلة في تأثيرها على حيوية الكويت، لنخرج من الجمود ومن مناخ التبرم إلى رحابة الرضا والاطمئنان.

تبقى كلمات في حق اللجنة الثلاثية، التي تضع قواعد العفو، والتي تتكون من شخصيات تتميز بالتجربة وتتحلى بالوعي وتعي المسؤولية وعلى معرفة بظروف اليوم، مع عزم على أن تؤدي مبادرة سمو الأمير إلى ترسيخ منصات الاستقرار وتأكيد الثقة بصواب المسار الديموقراطي الدستوري الشامل للدولة.

* نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.