.
.
.
.

ضربة على رأس "حزب الله" لإنقاذ لبنان

أحمد عدنان

نشر في: آخر تحديث:

لفهم ما يجري في لبنان الان، لا بد من العودة إلى ما قبل التصريحات المشينة لوزير الإعلام جورج قرداحي التي جاءت بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس.

داخليا، قامت ميليشيا "حزب الله" بالاغارة السياسية على النواة الصلبة المعادية لها. بدأت اولا، ولنحو سنتين، في محاولة استهداف حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، لكن المحاولة باءت بفشل ذريع. انتقل بعدها الحزب محاولا اخضاع القضاء عبر استهداف المحقق طارق بيطار، لكن المحاولة انتهت، الى تاريخه، في طريق مسدودة. اخترع الحزب بعدها "غزوة عين الرمانة"، وكان هدفها ترهيب المسيحيين، فجاءت النتيجة عكسية، خصوصا بعد احداث شويا وخلدة، فحاول الحزب استثمار هزيمته العسكرية بضرب عصفورين بحجر واحد: حزب القوات اللبنانية وقيادة الجيش، أي ما تبقى من النواة الصلبة، لكن هذا الاستثمار، ذهب ادراج الرياح.

لقد خسر الحزب في كل هجماته على النواة الصلبة: ما زال رياض سلامة حاكما لمصرف لبنان، وقيادة الجيش على حالها، وطارق بيطار يستكمل تحقيقاته في تفجير المرفأ، وسمير جعجع ليس ملاحقا ولا مدانا بشيء ويحظى باحتفاء ملحوظ محليا وخارجيا، فضلا عن انهيار حواجز الهيبة والخوف من الحزب في شويا وخلدة وعين الرمانة، وحلت محلها جدران الكراهية والغضب على الحزب وعناصره.

لكن استهداف النواة الصلبة عمل خطير، ويشي برغبة الحزب الدفينة في ابتلاع كل لبنان وانهائه ليتحول الى محافظة ايرانية خالصة، وهذا مشروع مرفوض بالمطلق اقليميا ودوليا، فضلا عن رفضه داخليا من خلال ردود فعل اللبنانيين على تصرفات الحزب في غير حدث.

يشيع الحزب بين جمهوره جملة من الأوهام، مثل أنه سيخرج منتصرا جراء مشروع الحوار السعودي - الايراني، ومفاوضات فيينا الأميركية الإيرانية. والزعم الأهم لديه: ان السعودية وحلفاءها الى تقهقر، بينما إيران واتباعها الى الصدارة.

لكن مسار ازمة جورج قرداحي، كشف جملة من الحقائق المعاكسة، يدعمها بيان اميركي - بريطاني - الماني - فرنسي مشترك: لن تنجح مفاوضات فيينا إذا لم تغير إيران سلوكها في المنطقة وفي العالم. ومن جهة أخرى قال وزير الخارجية السعودي بوضوح: ان لب ازمة قرداحي هو هيمنة "حزب الله" على لبنان، وان المباحثات مع إيران ودية لكنها لم تحرز أي تقدم، ولا شأن للمملكة ببقاء حكومة ميقاتي او رحيلها، لكن التصريحات "القرداحية" لم تعالج من قبل الحكومة وفق الاصول الرسمية المعتمدة بالشكل المطلوب.

أضف إلى ذلك:

١- ان المشكلة ليست بين الحكومة اللبنانية وبين المملكة وحدها... تقف خلف المملكة دول الخليج مجتمعة.

٢- ان التحرك الخليجي متزامن مع عقوبات أميركية ضد شخصيات لبنانية.

٣- ان ردود الفعل اللبنانية غاضبة من سياسات الحزب، ومن ذوبان الفواصل بينه وبين الدولة.

ماذا يعني كل ذلك؟

أولا، تقول دول الخليج ما معناه أن أي مباحثات او مفاوضات بين دول الخليج وبين إيران لا تعني تشريع الميليشيات المتأيرنة.

ثانيا، يقول المجتمع الدولي ما معناه ان مفاوضات فيينا مسألة لا علاقة للبنان او لـ"حـزب الله" بها.

ثالثا، تقول دول الخليج ويقول المجتمع الدولي ما معناه ان الحرب على الميليشيات المتأيرنة، وعلى رأسها "حزب الله"، مستمرة مع تنوع الأشكال والوسائل.

رابعا، ان هجوم "حزب الله" على النواة الصلبة المعادية له لن يمر من دون عقاب، ولكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه، فكان لا بد من تحديد الأحجام.

بعد تحديد الأحجام في لبنان، يقف "حزب الله" في ورطة كبيرة، فهو لا يستطيع أن يعوض اللبنانيين عن دول الخليج، وقد عجز سابقا عن تقديم مرافعة مقنعة لجمهوره في شويا وخلدة وعين الرمانة وتحقيق البيطار وبقاء رياض سلامة واستقلالية قيادة الجيش... لذلك من المرجح ان يتجه الى مزيد من التصعيد ضد اللبنانيين، سواء برفض استقالة قرداحي او بالاستقالة تضامنا معه في حال استقالته، وبالتالي تطيير الحكومة، ثم تطيير الانتخابات، وربما اشعال حرب اهلية او اقليمية، وكل ذلك كي لا يكشف عورته في تفجير المرفأ، واخفاء تراجعه الشعبي او الميثاقي، وكي لا يطالبه جمهوره بصرف شعارات "الانتصار الالهي" في الكهرباء والبنزين والدواء والعملة والحياة الكريمة المحترمة مع الآخر في الداخل والخارج.

المسار الآخر امام الحزب أشد مرارة من التصعيد: ان يعترف بحقيقة حجمه محليا وإقليميا ويتراجع ويتنازل، سواء باستقالة قرداحي او بولادة حكومة مستقلين حقيقية تصلح ما أفسده الحزب وتضع حدا لشططه، اعضاؤها شخصيات سعى الحزب طوال عقد ونصف الى تسويقهم امام بيئته كعملاء او كإرهابيين او كفاسدين، لكن المذمة إذا أتتك من الميليشيا فمعنى ذلك أنك على حق كفرد او كدولة.

إن الإجراءات الحازمة التي اتخذتها دول الخليج والمجتمع الدولي، بعض النظر عن التفاصيل والمقادير، كانت ضرورية لحماية اللبنانيين من الحزب، ولتعريته أكثر امام اللبنانيين قبل غيرهم، ولتحميل الحزب مسؤولية أفعاله في لبنان والمنطقة. فلو نجح الحزب في افتراس النواة الصلبة المعادية له، لانتهى لبنان الذي عرفناه تماما ولضاع كل آمل في استعادته، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

* نقلا عن "لبنان الكبير"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.