.
.
.
.

أبعد من قرداحي

عائشة المري

نشر في: آخر تحديث:

أثارت تصريحات وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي حول اليمن، والتي تبرَّأت منها الحكومة اللبنانية، ردودَ فعل مستهجِنة من الداخل اللبناني نفسه، وخلقت أزمة سياسية ودبلوماسية مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج واليمن، لتوجّه أسوأ ضربة للعلاقات اللبنانية الخليجية. وامتنع قرداحي عن الاعتذار أو الاستقالة بسبب التصريحات التي صفق لها محور إيران في لبنان، أي «حزب الله» و«حركة أمل» اللذان أعلنا رفضهما القاطع لإقالته أو دفعه للاستقالة، مما يعمّق الأزمة اللبنانية الداخلية.
وتتخطى الأزمة الدبلوماسية بين دول الخليج ولبنان تصريحات قرداحي حول الحرب في اليمن، لتعكس حالة من التأزم المتراكم. فعلى مدى السنوات الماضية انعكست التوترات الجيوسياسية والطائفية على العلاقات مع لبنان الذي تشهد علاقته السياسية مع دول الخليج فتوراً منذ سنوات، على خلفية تعاظم دور «حزب الله» على الساحة اللبنانية. فعندما اندلعت أحداث ما يسمى «الربيع العربي» في عامي 2010 و2011 واتخذت تلك الأحداث أبعاداً طائفية، لاسيما في اليمن، وتطور النفوذ الإيراني في الداخل اللبناني من خلال «حزب الله»، وارتبط هذا التطور بحالة عدم الاستقرار السياسي في لبنان، وهيأت الظروفُ الإقليميةُ الفرصةَ لطهران لإنجاح ترتيباتها في المنطقة، مستغلةً في ذلك «حزب الله» وأدواته الإعلامية والثقافية والعسكرية لدعم سياساتها والدفاع عن أتباعها في العالم العربي مثل الحوثيين في اليمن وغيرهم من الجماعات الطائفية الأخرى في بلدان عدة.
وإثر ذلك أَدرج مجلس التعاون الخليجي «حزبَ الله» على القائمة السوداء في يونيو 2013 وصنّفه كمنظمة إرهابية. ورغم ذلك ازدادت أنشطة الحزب التخريبية في الخليج، وأُلقي القبض خلال السنوات الماضية على العديد من عناصره في دول التعاون بتهم تتعلق بالإرهاب. وبعد أن انخرط الحزب عسكرياً في سوريا، أصبح لاعباً في الصراعات الإقليمية خارج الحدود اللبنانية وبعيداً عن «مقاومة إسرائيل» التي يستمد شرعيته منها!
وأصبح التوجه الإقليمي الجديد لدى الحزب، وبالتوازي مع استمرار أنشطته في المنطقة، مزيد من التورط العسكري في دعم الحوثيين. إن أزمة الحكومة اللبنانية اليوم تتجاوز الجعجعات الإعلامية للسياسيين والخطابات النارية لـ«حزب الله»، إلى مشكلة بنيوية في النظام السياسي اللبناني نفسه. فتاريخياً كانت الطائفة في لبنان مشكلة تقسّم اللبنانيين، ثم تحولت إلى نظام سياسي له انعكاسات اجتماعية. كانت الطائفية فلسفة مفترضة لإيجاد ضمانات للمجموعات الطائفية المتعايشة على الأرض للمشاركة في الحكم ولتأمين الحريات الدينية والثقافية.. لكن مشكلة لبنان الأساسية هي قوة الطوائف إزاء الدولة وضعف الدولة حيال الطوائف.
وقد أصبح «حزب الله» قوةً سياسيةً مذهبيةً تهدِّد بنية الدولة الوطنية التي تغلغلت فيها ميليشيا الحزب، كما تورط الحزب في صراعات المنطقة باسم لبنان، متجاوزاً المصلحة العليا اللبنانية إلى تنفيذ الأجندة الإيرانية حتى لو تعارضت مع أجندة الحكومية اللبنانية التي طالما أعلنت التزامها عدم التدخل في الصراعات والمحاور الإقليمية والدولية. لكن «حزب الله»، وتنفيذاً للأجندة الإيرانية، انخرط في الأزمات والحروب العربية انطلاقاً من التورط في الحرب السورية مروراً بالتورط في أزمات العراق واليمن.. وجر معه مؤسسات الدولة اللبنانية نحو مواقف وصراعات لا تخدم لبنان ومصالحه الوطنية.

نقلا عن الاتحاد

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.