.
.
.
.

السادات.. لماذا؟

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

من سوء حظ الباحثين والمؤرخين أن الرئيس عبد الناصر، كان- قياسًا على غيره من الرؤساء- قليل الكلام، وفى أمور بعينها لم ينطق نهائيًا، مثل طريقة اختيار معاونيه وكبار المسؤولين فى الدولة، ربما أشار من بعيد إلى نيته فى التغيير، أحيانًا، كما فعل فى بيان٣٠ مارس سنة ١٩٦٨.

ولذا لا نعرف، على وجه التحديد، متى قرر اختيار نائب له سنة ٦٩ ولماذا كان السادات بالذات وليس غيره؟؛ شواهد الأمور تقول إن ذلك يمكن أن يكون سنة ٦٨ بعد إعادة بناء القوات المسلحة واستقرار الأمور بانتهاء محاكمة قادة الهزيمة، وربما يكون بعد إصابته بالأزمة القلبية، سبتمبر ٦٩، ولا نعرف هل أخبره الأطباء بكل شىء أم لا؟، لكن لا بد أن يكون استشعر عمق الأزمة، حين صحا من نومه يوما ليجد بعض العمال فى البيت يقومون بتركيب مصعد فى البيت، لأن صحته لم تعد تحتمل صعود السلم بين المكتب وغرفة النوم، المسافة بينهما دور واحد، وبعد أن صار البيت متحفا، يمكن لأى زائر أن يرى المسافة بينهما، أقل من دقيقة سيرًا على الأقدام، والآن نعرف أن الرئيس شكل لجنة خماسية تجتمع يوميًا، طوال فترة مرضه لتدير أمور البلاد، الخمسة هم، أنور السادات وعلى صبرى وشعراوى جمعة وهيكل وسامى شرف (شفاه الله).

وحين فكر فى اختيار نائب لا بد أن يكون فكر فى الخمسة كلهم أو بعضهم، هيكل كان مستبعدا لأنه يريد أن يبقى صحفيًا، قبل هيكل على مضض أن يكون وزيرًا، إذ تخوف أن تكون الوزارة وسيلة لإبعاده عن «الأهرام» أو أن يتوقف مقاله الأسبوعى «بصراحة»، سامى شرف، كان مدير مكتب كفئًا ومخلصًا، لكن نائب رئيس لا، شعراوى جمعة سياسى ومسؤول ناجح، لكنه، مثل سامى تلميذ عبد الناصر وليس زميلا له. يتبقى السادات وعلى صبرى، يمكن أن نضيف كذلك نائب الرئيس ورئيس الوزراء السابق زكريا محيى الدين. عند المفاضلة بين الثلاثة، لا مفر- على ضوء ظروف سنة ٦٩- من اختيار السادات.

نائب الرئيس، الذى يجرى إعداده كى يصبح رئيسًا، يجب أن يكون مقبولًا من جميع أجهزة الدولة، كى تتعاون معه ولا يكون هناك نفور، داخل القيادات، بما يهدد بصراعات داخلية، كذلك لا يصح أن يكون النائب مرفوضا أو أن يكون وجوده مصدر تخوف وقلق لدى قطاعات بعينها من المجتمع، وفى هذا الجانب كان السادات بلا عداءات مع أى من أجهزة الدولة ولا موضع قلق لدى فئات من المواطنين، بعكس على صبرى الذى كان مسؤول الاتحاد الاشتراكى القوى، وخاض الاتحاد صراعات مع بعض أجهزة الدولة، تحديدا محاولة السيطرة عليها واختراقها من الداخل، وقد تحمل على صبرى مسؤولية ذلك كله، يمكن أن نراجع مذكرات إسماعيل فهمى وزير الخارجية السابق وكذلك مذكرات عدد من السفراء، لنكتشف حالة الضجر تلك من الاتحاد الاشتراكى العربى، الذى يتم فرض عدد من أعضائه على الوزارة بقرارات جمهورية، دون الخضوع لأى اختبار، وهكذا فى الجامعات وغيرها، طبعًا كان هناك صراع نفوذ خفى بين رجال عبد الحكيم عامر ورجال على صبرى، رجال الأخير هم من كشفوا وأعلنوا الزواج السرى للمشير من السيدة برلنتى عبد الحميد، يضاف إلى ذلك أن على صبرى، كان يكتب مقالًا يوميًا فى جريدة «الجمهورية»، جُمعت المقالات فى كتاب بعنوان «حتمية الحل الاشتركى»، الإيغال فى الاشتراكية كان يقلق الكثيرين فى مصر، لأسباب اقتصادية ولاعتبارات دينية أيضًا، كثيرون ربطوا الاشتراكية بالشيوعية وبالحرب على الدين، بالطبع لم يكن على صبرى كذلك، لكن خصومه، خاصة من داخل النظام، روجوا ذلك عنه.

زكريا محيى الدين، كان يقلق الكثيرين، وإن بشكلٍ معاكس، هو لم يكن من أنصار الدعم للسلع، وكان مع رفع الأسعار تدريجيًا، حين كان رئيسا للوزراء، حتى لا تزيد الأعباء على اقتصاد وميزانية الدولة، وبسبب ذلك تذمر بعض المواطنين وفقد منصبه كرئيس للحكومة، بعض المقربين منه، ذهبوا إلى أن الاتحاد الاشتراكى تولى تهييج المواطنين والشارع ضده، وهناك اعتبار آخر، لقد احترق زكريا سياسيًا يوم ٩ يونيو، حين قرر عبد الناصر فى خطاب التنحى، أنه يعهد بالرئاسة لزميله زكريا محيى الدين، فخرج المصريون رفضا لتنحية ناصر، ضمنيًا فُهم ذلك لدى البعض رفضا لزكريا نفسه، فى سنة ١٩٨٧، كنت أقوم بتحقيق صحفى فى الداخلة بالوادى الجديد ولزم الأمر أن أقابل مدير أمن المحافظة، كان المحافظ ذكر لى خلو المحافظة من أى حالات تعاطى مخدرات أو إدمان، وجادلته فى أنه لا يوجد مجتمع خلو تماما من المخدرات، الفارق هو نسبة وأعداد المتعاطين، فذهبت إلى مدير الأمن أسمع منه، وكان صريحا ولديه روح فكهة، وزودنى بكثير من المعلومات تدحض قول المحافظ، وعرفت منه أنه كان فى شبابه قائد حراسة زكريا محيى الدين، وذكر لى الكثير من الأمور والوقائع عن تلك الحقبة، من بينها أن بعض المتظاهرين هتفوا ضد زكريا (سيادة النائب) يوم ٩ يونيو، والأخير أدرك لحظتها أنها عملية قتل سياسية له (مقصودة)؛ نسبت تلك الهتافات إلى ترتيبات رجال الاتحاد الاشتراكى العربى؛ كل هذه المناطق الشائكة، كان السادات بعيدا عنها ومبرأ منها، هو لم يكن موضع الرضا والقبول التام من قيادات الاتحاد، كما لم يكن معاديًا لهم، وهذا، حسب له، لا عليه.

على مستوى العلاقات الخارجية، كانت ظروف المرحلة تقتضى أن يكون المسؤول الأول (القادم) قادرًا على أن يتعامل مع كل من الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة الأمريكية، لا يكون محسوبًا على أى منهما، ليس رجل السوفييت ولا رجل الأمريكان، كما شاع عن البعض، كانت مصر اتجهت بعد وفاة الرئيس جونسون ومجىء نيكسون وإدارته إلى فتح حوار معها، بل وجدنا عبد الناصر فى خطاب أول مايو سنة ٧٠ (عيد العمال) يتحدث مباشرة إلى الرئيس نيكسون عما يتوقعه منه ومن الولايات المتحدة فى قضية الشرق الأوسط.

على صبرى كان مرفوضا وكارها للولايات المتحدة، وكان محسوبا فى نظر الكثيرين على الاتحاد السوفيتى، زكريا محيى الدين تصوره البعض، لأنه ضد الدعم ومتخوف من الاشتراكية، رجل الولايات المتحدة، هو كان وطنيًا مخلصًا، الوثائق التى عثر عليها فى السفارة الأمريكية بطهران، عقب استيلاء الطلاب الإيرانيين عليها واحتلالها، بها جزء كبير يتعلق بمصر، كانت بعض تقارير السفارة الأمريكية فى القاهرة، تصل صور منها إلى سفارتهم فى طهران ونشر بعضها فى كتاب، وتكشف كم كانوا لا يحبون زكريا محيى الدين، وتطلق عليه بعض الأدبيات الأمريكية فى تلك الفترة «بريا المصرى»، على غرار بريا وزير داخلية ستالين الدموى؛ وهنا يكسب السادات، زار الاتحاد السوفيتى أكثر من مرة مدعوًّا، بصفته رئيسًا لمجلس الأمة، هو أول من حمل رسالة القادة السوفييت إلى عبد الناصر، بخصوص الحشود العسكرية الإسرائيلية على الحدود السورية؛ فى الوقت نفسه كان السادات، نهاية سنة ١٩٦٦، تلقى هو والسيدة قرينته دعوة لزيارة الولايات المتحدة، استأذن هو عبد الناصر فى السفر، وجرى استقبال حافل لهما هناك، تحدث باستفاضة عن تلك الزيارة وما جرى خلالها فى سيرته الذاتية «البحث عن الذات»، ورغم أن عبد الناصر أدلى بتصريحات نارية ضد الولايات المتحدة، بينما كان السادات هناك، إلا أن الزيارة تواصلت، لا هم أنهوا الاستقبال ولا هو قطع الزيارة، ولما سئل هناك عن رأيه فى تصريحات الرئيس، قال رده المعهود «لا تعليق». هذا الرد يحمل الأمرين معًا، أى يُفهم أنه ممتعض منها وكان كذلك بالفعل، من ناحية أخرى هو لم يعترض على الرئيس وتصريحاته، التى حيرته هو شخصيا «لماذا يفعل عبد الناصر ما فعله بعد أن اتفقنا على أن نبذل مجهودًا لتحسين العلاقات، وبعد تشجيعه لى على إتمام الزيارة؟».

عربيًا كان الأفضل أن يكون الرئيس القادم قادرًا على بناء علاقات طيبة مع مختلف الأطراف العربية، خاصة دول المواجهة وكذلك المملكة العربية السعودية، وهنا كانت المفاضلة لصالح السادات، هو من خلال منظمة المؤتمر الإسلامى أقام علاقات ودية مع المملكة العربية السعودية ومع المملكة المغربية، فضلا عن أن رئاسته للبرلمان أتاحت له أن يتعامل مع معظم الدول العربية.

باختصار كان السادات هو الاختيار الأنسب أمام عبد الناصر، ومن ثم فإن الكثير من التبريرات أو الاعتذار عن اختيار السادات نائبًا للرئيس عبد الناصر، نتاج رفض سياساته بعد ذلك.

نقلا عن المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.