.
.
.
.

الشام الجديد وجدل التاريخ

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

جاء الخروج الأول من أزمة الكورونا نحو العالم العربى فى اتجاه عمان، العاصمة الأردنية، التى كانت بحكم المصادفة أولى العواصم العربية التى زرتها عام 1984 لحضور المؤتمر الوطنى الفلسطينى مع مجموعة كبيرة من الصحفيين والكُتاب. ما جرى فى ذلك المؤتمر يستحق الذكر فى يوم آخر، ولعل المقام فى فندق «القدس» يومها كان مختلفًا كثيرًا عن فندق «دبليو W»، الذى انعقدت فيه ورشة عمل «الشام الجديد»، خلال الفترة من ٢١- ٢٢ أكتوبر المنصرم.

وكان واجبى فيها- إلى جانب التعليق على أوراق الآخرين- تقديم ورقة عن الكيفية التى تقترب بها مصر من الموضوع. جاءت فى الزيارة فرصة للاطلاع على الأردن، الذى بدَت عاصمته تعيش نهضة عمرانية ملحوظة جاء قياسها من المسافة بين المطار والعاصمة- حوالى ٤٠ كيلومترًا- كانت كلها صحراء واسعة قبل عشرين عامًا، وإذا بها وقد صارت معمورًا أنيقًا كأحياء متقدمة فى دول غنية.

وفى جولة مع الصديق «مصطفى الحمارنة»، عضو مجلس الأعيان الأردنى، وبينما الحديث يدور ويأتى حول أحداث سابقة- وتغيرات لاحقة، ومَن لا يزال حيًّا من الأصدقاء والمعارف، ومَن ذهب إلى حيث لا يعود أحد- كان التقدم الأردنى حاضرًا. كانت الأردن قد خرجت توًّا من اختبار لاستقرارها، ولكن المشاهدة كانت عن نجاح كبير فى الامتحان وفوقه دولة متعلقة بالمستقبل مع علاقات وثيقة مع مصر. ولم يكن فى كل ذلك ما هو بعيد عن الموضوع الذى أتيت من أجله، حيث تعبير «الشام» ليس ذائعًا كثيرًا فى مصر، وفى القديم كان يُعتقد أنه كل ما يشمل بلدانًا بعد الحدود الشمالية لمصر.

.. وذات يوم، وبالمصادفة البحتة التى لم تكن سعيدة، اكتشفت أن الشام تطلق على دمشق، ربما بحكم مركزها فى إقليم سوريا الكبرى، كما كان معروفًا أيام الخلافة العثمانية. والحقيقة هى ما ذكرتها فى الورشة أن تعبير الشام الجديد ليس ذائعًا فى مصر، ولا ورد من المسؤولين المصريين أو تردد فى الصحافة والإعلام المصرى.

تعبير «الشام الجديد» ورد، لأول مرة، على لسان رئيس الوزراء العراقى، مصطفى الكاظمى، فى ٢٥ أغسطس ٢٠٢٠ عندما انعقدت القمة الثلاثية بين مصر والعراق والأردن فى عمان. وأفصح الإعلان الصادر عن القمة عن مشروع يسعى إلى إنشاء قاعدة اقتصادية للأقطار الثلاثة، والتى تؤمِّن لها شراكة استثمارية طويلة المدى وتبادلًا تجاريًا واسعًا يقدم للسوق العربية يقوم على النفط العراقى ورأس المال البشرى المصرى، بينما يكون الأردن رابطًا بين كليهما.

وعندما اجتمع قادة الدول الثلاث فى ٢٧ يونيو ٢٠٢١ فإن الإعلان الصادر عن الاجتماع أشار إلى ما هو أكثر، حيث أصبحت الشراكة البازغة إشارة إلى أبعاد أمنية واستراتيجية تقود إلى تحقيق تكامل اقتصادى يتضمن العديد من المشروعات التى تشمل الإسهام فى إعادة إعمار العراق من قِبَل مصر والأردن، مقابل الإمداد بالنفط. كان الإعلان عاكسًا لحقيقة جارية تقوم على التعاون فى مواجهة الإرهاب وفتح الأبواب العراقية للعمالة المصرية، التى كانت قد اقتربت قبل الغزو الأمريكى للعراق من ٤ ملايين مصرى.

وباختصار، فإن المشروع له جانبان: اقتصادى وسياسى. الاقتصادى يقوم على مد أنابيب لنقل البترول من البصرة فى العراق إلى العقبة فى الأردن ومنها إلى مصر. الخط سوف يوفر لمصر والأردن نفطًا بسعر أقل بقدر ١٦ دولارًا للبرميل عنه فى السوق العالمية. وفى نفس الوقت فإن مصر سوف تقوم بمد خطوط نقل الكهرباء من مصر إلى الأردن، ومنها إلى العراق؛ كما أن الشركات المصرية سوف تتقدم لإعادة إنشاء وتعمير البنية الأساسية العراقية مقابل الدفع من النفط العراقى. سياسيًا، فإن مصر سوف تسهم فى بناء مؤسسات عراقية فى القوات المسلحة والشرطة والمؤسسات الحكومية.

هذه الخطوة نحو «الشام الجديد» ليست جديدة على المنطقة، فمن قبل اجتمعت الدول الثلاث فيما كان معروفًا بدول «الطوق»، قبل توقيع معاهدات السلام بين مصر والأردن فى ناحية وإسرائيل فى ناحية أخرى. وقبيل الغزو العراقى للكويت، فإن الدول الثلاث اجتمعت مع اليمن فيما عُرف وقتها باسم «مجلس التعاون العربى». الجديد هذه المرة أن التعاون يأتى فى بيئة عربية مختلفة، فى أعقاب ما سُمى «الربيع العربى»، وما هو جارٍ حاليًا، حيث جاء توجه «الشام الجديد» نحو التعاون الثلاثى، فى وقت ساد فيه اتجاه نحو تهدئة الصراعات واستئناف التعاون بين دول عربية.

كما حدث فى استئناف العلاقات المصرية والسعودية والإماراتية مع قطر، وبين مصر والإمارات وتركيا؛ واتجاه السعودية وإيران إلى استكشاف تهدئة الصراع بينهما على جبهات متعددة. ومن الناحية المصرية البحتة، فإن التوجه نحو «الشام الجديد» جاء من ناحية استكمالًا للجهود المصرية فى شرق البحر المتوسط، والتى دعّمت تعاونًا إقليميًا متعدد الأوجه شاركت فيه الأردن وفلسطين؛ وفى شمال البحر الأحمر حيث المشروعات المصرية السعودية المشتركة فى مجالات الطاقة والتنمية؛ وبين هذا وذاك حينما بات ممكنًا فتح الحدود بين الأردن وسوريا مضافًا إليها مد الغاز المصرى بينهما ليسهم فى احتواء الأزمة اللبنانية المحتدمة.

هذا المنحى المصرى نحو التعاون الإقليمى لقى من ناحية تأييدًا من الدول العربية فى الخليج، وكذلك من الاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة. ومن المؤكد أنه يحتوى على كثير من الفرص الاقتصادية المحددة لمشروعات بين البلدان الثلاثة، والسياسية التى تطرح توسيع دائرة التخفيف من الصراعات ودعم التوجه نحو السلام فى المنطقة. ومن ناحية أخرى فإنه يلقى عددًا من التحديات التى تدور حول العراق، الذى توجد فيه أطماع إيرانية وتركية ومصالح صينية وروسية، بعضها له علاقة بتعمير العراق، والبعض الآخر حول نقل البترول والغاز من العراق إلى بقية العالم، دون المرور بالخليج العربى، المختنق بممر مضيق هرمز والتهديدات الإيرانية.

التحدى الآخر يدور حول الصراع العربى الإسرائيلى وتمحوره حاليًا حول دور حماس فى الساحة الفلسطينية، والحرب السرية الإيرانية الإسرائيلية على الساحة السورية، والأحوال المضطربة فى لبنان ودور «حزب الله» الموالى لإيران فيها. التحدى الثالث يدور حول سوريا، التى وإن هدأت فيها الأحوال أفضل مما كانت عليه قبل سنوات، إلا أنها لا تزال مُعرَّضة لتدخلات دولية وإقليمية عنيفة، بينما المصالحة الداخلية لا تزال فى أطوارها الأولى.

التحدى الثالث يرتبط بالمدى الذى تنتصر فيه التوجهات التعاونية والسلمية فى المنطقة على التوجهات الصراعية والعنيفة، التى صبغت بالقلق والاضطراب المنطقة كلها خلال العقد الأخير، ولا تزال ذيولها موجودة ومنتجة للكثير من الأزمات، كما هو واضح فى السودان وتونس ولبنان وسوريا واليمن.

هنا تحديدًا يوجد «جدل التاريخ»، الذى تتفاعل وتتصادم فيه أحيانًا توجهات مختلفة، ولكن مصر لديها الكثير من الأرصدة التى كوّنتها خلال السنوات السبع الماضية سواء على صعيد قدراتها التنموية، التى تجعلها رائدة فى التعمير والعمران؛ أو على الصعيد السياسى والدبلوماسى، حيث يوجد الكثير من المهارة والخبرة والصبر الذى لديه قدرة التعامل مع أوضاع ومواقف مُعقَّدة.

نقلا عن المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.