.
.
.
.

معهد العلا للغات.. حوار الحضارات وجسر الطموحات

عبدالله الخليوي

نشر في: آخر تحديث:

تملك العلا موقعاً استراتيجيا على الطريق التجاري "طريق البخور"، الذي يربط جنوب الجزيرة العربية ببلاد الشام وسواحل البحر الأبيض المتوسط، ومن سلكوا هذا الطريق للتجارة أو الحج أو من قصدوا وادي القرى لتقديم قرابين للآلهة ذوغيبة، نحتوا حروفهم على جبال العلا، خاصة في جبل عكمة المسمى المكتبة اللحيانية المفتوحة، حيث يضم أكثر من خمسمائة نقش.

اللغة هي نسق من الإشارات والرموز، تشكل أداة من أدوات المعرفة، وهي كذلك أداة إجتماعية بامتياز، وتعتبر اللغة أهم وسائل التفاهم والاحتكاك بين أفراد المجتمع في جميع ميادين الحياة، ويرى بعض من المفكرين مثل "روسو" أن اللغة نشئت من العواطف، بينما آخرون مثل "إيمانويل كانت" يرى أنها نشئت من التفكير العقلاني والمنطقي، ومن فلاسفة القرن العشرين مثل ويتينستاين من قال بأن الفلسفة هي حقاً دراسة اللغة.

كذلك هي فلسفتنا في الهيئة الملكية لمحافظة العلا، بالعناية بتراث العلا وصونه، وإستعادة دورها كملتقى للحضارات التي حافظت على تنوع لافت، ينعكس في تنوع النقوش في مختلف مناطق العلا وثرائها.

وضمن الإطار التعليمي المعرفي، نحتفل بإطلاق "معهد العلا للغات"، الذي يهدف إلى استقطاب كوادر تعليمية من أجل دراسة عدد من اللغات، التي تدعم رؤية العلا واستراتيجيتها، خدمة لأهالي العلا، ومشاركتهم الترحيب بالزوار.

لا وقود للسير قدما دون كوادر تحقق الطموحات، حين تترجم كل الآمال إلى لغة إنجاز، تسبق القول بتأهب للعمل، كي تصبح هذه الكوادر البشرية النموذج الذي يبني ويساند صوب بلوغ الأهداف.

ذلك هو اليقين والطموح، حين تلتزم الهيئة الملكية لمحافظة العلا، بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس إدارة الهيئة، ومتابعة صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود محافظ الهيئة؛ بتعزيز العمل لاستدامة رمز الحضارات والتاريخ، وكان شعار الإنسان قبل المكان، نهجنا الدائم، من أجل العلا، أيقونة المملكة العربية السعودية.

وركزت استراتيجية الهيئة على ثلاث ركائز، ومنها "مجتمع العلا" من خلال بناء مجتمع مزدهر، وهي ركيزة اتخذت من رؤية المملكة 2030 منطلقا منها، لتطوير كل ما يدعم الهدف الرئيسي لبناء مجتمع حيوي متلائم مع مقومات العلا، حيث أن أهالي العلا هم الأساس وأصحاب الدور الحيوي في بناء مستقبل المحافظة كوجهة عالمية للتراث والثقافة والفنون.

ومنذ إنشاء الهيئة الملكية لمحافظة العلا، منذ أربعة أعوام، عملت على تعزيز المشاركة المجتمعية الفاعلة على نحو يضمن تحقيق الازدهار وبناء المعرفة في ما يختص بعمل الهيئة والتزامها لبناء المستقبل وكتابة فصل جديد في تاريخ الأرض الفريد.

ومن يشاهد العلا اليوم، يجد ورشة العمل الكبرى فيها بعمران ومشروعات تتلاءم مع طبيعة المحافظة لإعادة تأهيل مناطقها الأثرية، والتي تترجم مخطط "رحلة عبر الزمن" الذي أطلقه سمو ولي العهد شهر أبريل الماضي؛ لكن ورشة عمل أكبر تجري مع الإنسان ومن أجل الإنسان في العلا.

ولعل برنامج "العلا للابتعاث"، أحد أهم تلك البرامج من أجل أهالي العلا وشبابها، والذي نستعد لإطلاق مرحلته الثالثة؛ حيث يُوفّر للمبتعثين فرصة الدراسة في عدد من الدول الرائدة في مجالات تضمنتها رؤية العلا، مثل السياحة، والضيافة، وعلوم الآثار والفنون والمتاحف، والتقنيات الزراعية، وجميع ما يتعلق بخطط التنمية، مما سيسهم بشكل كبير وفعال في دعم هذه المشاريع بمعايير عالمية من خلال مجتمع العلا.

واليوم يمثل إطلاق معهد العلا للغات، والذي يقدم خمس لغات هي العربية والإنجليزية والفرنسية والصينية بالإضافة لإستعادة اللغة النبطية، تجديدا لإرث العلا كملتقى للحضارات، وجسرا لطريقها للمستقبل لتكون حقا أكبر متحف حي في العالم.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.