.
.
.
.

العجز عن التنبؤ بعالم ما بعد الجائحة

فيتالي نعومكين

نشر في: آخر تحديث:

لقد عزز التأثير الذي أحدثته جائحة فيروس «كورونا» على حياتنا القناعة بأن مسار الأحداث، التي ظهرت خلال التحولات العالمية غير المتوقعة في العقدين الأولين من هذا القرن، لا يمكن التنبؤ به.
من بين تلك الأحداث التي لم يستطع السياسيون والعلماء توقعها في الشرق الأوسط، كانت على وجه الخصوص، أحداث الربيع العربي. بيد أنه وبعد ثوران القلق العام، بزغ، مع ظهور اللقاحات، نور فجر في نهاية النفق المظلم. لكن الأحداث الأخيرة أظهرت أن التفشي العالمي للوباء لا ينحسر، وربما دخلنا في عصر الجائحات المتتالية، المحكوم علينا بمكافحتها بدرجات متفاوتة من النجاح. ولكن حتى هنا أيضاً، تبين أن البشرية «ليست على المستوى المطلوب». فبدلاً من التعاون العالمي المنطقي من أجل البقاء، بدأت الدول في استخدام اللقاح كأداة لأغراض سياسية، منغمسة بذلك أكثر فأكثر في هاوية العقوبات، وتصفية الحسابات، وانتهاك سيادة الدول الضعيفة من الدول القوية وصراع الأخيرة فيما بينها من أجل النفوذ. لم يعد المستقبل أكثر قابلية للتنبؤ به، واتخذ غموضه أبعاداً تنذر بالخطر. لقد تبين أن البشرية باتت في علاقة حرجة للغاية مع البيئة الطبيعية بحيث إذا لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة، فلا مفر من حدوث أزمة رهيبة. بدأت الحاجة إلى إبطاء المعدل المعترف به بالفعل لتغير المناخ على الأقل (لنتذكر كيف رفض ذلك ترمب بشكل بطولي)، تتطلب استجابة عالمية فورية. لكن وهنا أيضاً، أثارت التقنيات «الخضراء»، إلى جانب الآمال التي جاءت بها بعد أن حصلت على الضوء الأخضر، الكثير من الأسئلة.
المشكلات الحادة لعالم ما بعد الجائحة نوقشت مؤخراً في الاجتماع الدوري لـ«نادي فالداي الدولي للحوار» الذي عقد جلساته في مدينة سوتشي بمشاركة مجموعة واسعة من الخبراء البارزين من روسيا والدول الأجنبية، حيث قدمت مجموعة من العلماء من روسيا تقريراً يحتوي على أفكار مثيرة للاهتمام وغير عادية إلى حد ما، وجريئة ومثيرة للجدل في بعض الأحيان. أودّ هنا التطرق لبعضها. كما أشار التقرير، لقد اكتشفت الحكومات «فائدة» التهديد الوبائي. وبالفعل: يمكن دائماً في مثل هذه الحالة تبرير إدخال إجراءات تقييدية إدارية، وإعلان حالة الطوارئ. بناءً على ذلك، يمكن هنا استخلاص نتيجة متناقضة: من المفيد بالنسبة للسلطات، على الأقل في بعض الدول، الحفاظ على نظام مكافحة الجائحة لأطول فترة ممكنة. إلى حد ما، تم تأكيد ذلك من خلال تطور سياسة الهجرة. لقد أكد المشاركون في منتدى «فالداي» أن عواقب أزمة الوباء تحفز الهجرة من الجنوب إلى الشمال، وأن تعزيز أحكام ضبط حدود الدول الغنية يهدد بأن يصبح حالة دائمة، بغضّ النظر عن الوضع الوبائي.
من الواضح أن إحدى عواقب الجائحة كانت العزلة الجسدية للناس وانخفاضاً شديداً في كثافة التواصل المباشر بينهم. في الوقت نفسه، تلقت عملية الرقمنة حوافز جديدة، والتي من ناحية، تجعل وجود الناس أكثر راحة، ومن ناحية أخرى، تقلص بشكل حاد من مساحة الحرية، وتوفر للدولة قدرة قوية على مراقبة الفرد الذي لا يستطيع أن يختبئ من «عينها التي ترى كل شيء». مع الأخذ بعين الاعتبار أن المراقبة الشديدة للغاية متغلغلة بنفس الدرجة أكان في المجتمعات المصنفة عادةً على أنها ديمقراطية أو في تلك التي تعد أوتوقراطية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن «العمل عن بُعد»، يزيد من العبء على الموظفين، ويطمس الخط الفاصل بين العمل والراحة، ويجعل من الصعب حساب الوقت الذي يؤدي فيه الموظف فعلياً واجباته. في الوقت نفسه، كما لاحظ بحق معدّو التقرير الذي ذكرته، إذا كان الانتماء سابقاً إلى الطبقات الدنيا من المجتمع يوفر إمكانية «التخفي» نسبياً عن عين الدولة، فقد تغلغلت الرقمنة الآن في أفقر طبقاتها. يمكننا التحدث عن «الفقر المرقمن»، إذ إن الهاتف الذكي أو الكومبيوتر في الوقت الحاضر متوفر لجميع الناس تقريباً.
ولا يقل أهمية عنه طرح معدّي التقرير مسألة «شمولية السلطة الحيوية» (لقد ناقشها الفلاسفة في القرن العشرين)، على غرار أطروحة «الشمولية الطبية» التي دخلت بالفعل في التداول بين علماء السياسة. سأشرح عمَّ يدور الحديث هنا. الأمر يكمن في أن الكثير من معايير حياة المجتمع اليوم، مثل الحَجْر الصحي، والإغلاق، والارتداء الإلزامي للأقنعة، والتطعيمات، والقيود المختلفة، وما إلى ذلك، يتم تحديدها واقعياً من المسؤولين في المجال الطبي، وهذا يُنظر إليه على أنه تهديد لحقوق الإنسان والحريات. لهذا السبب، في المقام الأول، يرفض قسم معين من السكان، وبخاصة الشباب، التطعيم، على الرغم من أن هذا يشكل تهديداً لحياتهم، ولنفس السبب يخرجون للتظاهر ضد إجراءات مكافحة الجائحة.
لكنّ واحداً من استنتاجات تقرير «فالداي» يثير الرغبة في الجدل. ألا وهو الاستنتاج الذي مفاده أنه بدلاً من تعميق العولمة، التي يبدو من خلالها أنه أصبح من الأسهل التغلب على عواقب الأزمة التي سببتها الجائحة، يمر العالم بـحالة من «التشرذم العالمي». كما لاحظ معدّو التقرير، «من وجهة نظر التنمية المستدامة لكل دولة، أصبح الاكتفاء الذاتي والقدرة على العمل في حالة العزلة الشديدة، قيمة لا جدال فيها». لا أريد أن أقول إن هذه الطرح غير مقبول بالنسبة لي. في الواقع الأمر متعلق بشيء آخر. قبل وقت طويل من مجيء السيد فيروس «كورونا» إلى العالم، كتبت في عدد من مقالاتي وتحدثت في خطاباتي عن أن التصفيق للعولمة المنتصرة كان أمراً متهوراً. في الواقع، تم وضع المزيد والمزيد من العقبات أمام حرية تنقل الأشخاص، وباتت صور السفن المتنقلة بين موانئ جنوب أوروبا والمكدسة بالمهاجرين البؤساء من الدول الآسيوية والأفريقية أمراً مألوفاً. كما أُعيقت حرية حركة رأس المال بفعل العقوبات التي لا نهاية لها من ناحية والتدابير الحمائية القاسية والمتزايدة من ناحية أخرى. تيارات المعلومات باتت تتدفق من دولة إلى أخرى بحرية أكبر، ولكن المعلومات نفسها واجهت عدداً متزايداً من العقبات والمحظورات. بعبارة أخرى، تم منذ فترة بعيدة وضع العصا في عجلة العولمة. الآن، الجائحة أدت فقط إلى ظهور التوجه العالمي الكبير القائم فعلياً على الاكتفاء الذاتي، والذي تستفيد منه الدول القوية بشكل أساسي. ما يمكن الاتفاق عليه مع معدّي التقرير هو أن «ترادف التضخم والحمائية» اليوم يجعل سيناريو التضخم المصحوب بركود اقتصادي عالمي (أي، هي الحالة في الاقتصاد، التي تجمع بين تراجع الإنتاج وارتفاع معدلات البطالة وارتفاع مستمر في الأسعار) أقرب إلى الواقع.
كالعادة، كلّل جلسة أعضاء النادي وضيوفهم حضور الرئيس فلاديمير بوتين، إذ استطاعوا الحصول على فرصة لطرح الكثير من الأسئلة عليه. بالمناسبة، كان هذا أول حدث عام يشارك فيه الرئيس الروسي شخصياً بشكل مباشر بعد استراحة طويلة، تواصل خلالها مع الجمهور عبر الفيديو «أونلاين». لا أنوي هنا إعادة سرد ما جاء في خطاب رئيس الدولة الروسية، إلا أنني سأتطرق إلى بعض المواضيع التي كان لها صدى واسع. منها، على سبيل المثال، الإعلان عن أن نموذج النظام الاجتماعي للرأسمالية، الذي انتصر في معظم دول العالم، قد استنفد نفسه بالفعل. من دون الدخول في جدل، أذكّر بأن عدداً كبيراً من الخبراء يتحدثون اليوم عن «منعطف يساري»، وعن أزمة النموذج الرأسمالي. لكنّ هذا يبقى موضوعاً مهماً لحديث آخر. أعلن بوتين أننا في روسيا بحاجة إلى دولة اجتماعية، وكثير من المواطنين الروس من الذين يعانون بشدة من نقص الضمانات الاجتماعية التي كانت موجودة في الحقبة السابقة، بكل عيوبها ومزاياها، على استعداد لمشاركته هذا الرأي. فكرة أخرى بالغة الأهمية للرئيس بوتين: هي أن طريقنا، أي طريق روسيا، هو «المحافظة المعقولة»، وهو نموذج قائم على القيم التقليدية للمجتمع الروسي. أعتقد أن هذه الفكرة، التي تلتزم بها القيادة الروسية، أساسية لفهم استراتيجية تطور روسيا في المستقبل المنظور. بالنسبة لمن لا يروق له النموذج الروسي، سأقول إنه على عكس الصور النمطية السائدة في وسائل الإعلام الغربية، فإن كلمات بوتين في منتدى «فالداي» لم تؤدِّ إلى موافقة غير مشروطة على غرار الروح السوفياتية، بل ولّدت جدلاً ساخناً بين المحللين، ومنهم مشككون ونقاد. من أجل تقييم ذلك، أنصح بقراءة التعليقات في الصحافة الروسية.
حياة البشرية مستمرة، رغم أن الوباء يفسدها كثيراً.

نقلا عن الشرق الأوسط

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.