.
.
.
.

حريق في ثياب الوطن

علي حسين

نشر في: آخر تحديث:

في كلّ صباح ومع الانشغال بالبحث عن سطر من كتاب، أقدّمه للذين يتابعون "جنابي" وهم ينتظرون ماذا في جعبتي للمساء، وأعرف أنّ العديد من القراء الأعزاء يريدون مني أن أترك الحديث عن معركة الحلبوسي والخنجر، وغياب سليم الجبوري الذي لم يترك لنا أثراً سوى مذكراته التي يريدها أن تكون شاهداً على مرحلة ازدهار الخراب في العراق، والتحليلات اللوجستية التي يتحفنا بها بين الحين والآخر باقر جبر الزبيدي، والسبب كما يقول الزبيدي، لأنه خبير في نوايا البشر.

ولأننا في حديث عن الزعامات الكبيرة، اسمحوا لي أن أعيد عليكم حكاية المرحوم جوزيف بروز تيتو، الميكانيكي الذي أصبح واحداً من أهم شخصيات القرن العشرين. والرجل الذي تجرأ على الاختلاف مع ستالين يوم قال له: لماذا تريد جيشاً يوغسلافياً قوياً؟ نحن جيشك. ليجيب تيتو: شيئان لا يمكن استيرادهما، الوطنية والجيش. وأصر على أن يقيم دولة من كبريات دول أوروبا الشرقية. واكتشف في وقت مبكر أن الصراع بين أمريكا والدول الاشتراكية سيضع بلاده في مشكلة، فأخرجها من الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن. ثم أقام لها مكانة أولى بين دول عدم الانحياز، أما نحن فلا نزال نعتبر الانحياز إنجازاً عظيماً ونرفع شعار "أنصر جارك على أخيك في الوطن"، إذ كيف تجد مبرراً لقتل أبناء وطنك، وأنت تشعر بأنك حققت انتصاراً على أعداء خارجين على إرادة "ولي النعمة"؟ أحاول هنا أن أسير خلف حكايات الثأر ، لأكتشف من خلالها كمّاً كبيراً من الأكاذيب التي تؤسس لتعاسة الناس اليومية من خلال خطابات وشعارات وفضائيات تصر على ان ما يجري دفاعاً عن أمن الوطن والمواطن.

دائماً ما أطرح على "جنابكم" هذا اللغز المحير: متى نطمئن على مستقبل هذه البلاد؟ متى يشعر الناس بأنهم شركاء في هذا الوطن وليسوا تابعين؟ متى يغادر سؤال الخوف على مصير البلاد أذهان أبناء هذا الوطن؟ الجواب طبعاً ليس عند أحد، لأننا نعيش في ظل ساسة ومسؤولين يرفضون وجود هذا الوطن معافى وصحيح البدن والنفس.. نواب وساسة يتقاضون رواتبهم من مواطن يعتبرونه مجرد مقيم يسعون إلى قيادته إلى هوة سحيقة.

منذ أيام اكتشف ساستنا الأشاوس أنهم يهيمون حباً بالعراق، ونجدهم يرتدون مسوح الإصلاح والشراكة الوطنية، ليتذكروا بعد ثمانية عشر عاماً من اللعب على الحبال وتقاسم الكعكة أن المحاصصة خادشة للحياء وصادمة للمجتمع والروح الوطنية!!.

كنت أتذكر مع عدد من الأصدقاء فيلسوف التنوير الألماني إيمانويل كانط، الذي كان يقول إن الفضيلة تزيد قيمتها كلما كلفتنا الكثير، دون أن تعود علينا بالمكاسب. ونحن في بلاد كلفنا ساسته الكثير من الدماء والاموال دون ان يعودوا علينا بمكسب واحد !!

نقلا عن المدى

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.