.
.
.
.

البكاء على أطلال «الربيع»

ياسر عبد العزيز

نشر في: آخر تحديث:

لو استعرضت ما يُنشر فى عدد مؤثر من وسائل الإعلام وبعض مراكز الفكر والدراسات الغربية راهناً، لوجدت توجهاً يمكن وصفه بأنه حالة من «البكاء على أطلال الربيع العربى».

أما قوام هذا التوجه فمعروف؛ إذ إنه ينطلق بداية من تصور يعتمده النص الصحفى أو البحثى، ومفاده أن «العالم العربى كان يعيش فى بحيرة من الاستبداد والديكتاتورية، فأتت رياح التغيير القوية على أسنة رماح الانتفاضات، التى قامت بها جماهير تريد التغيير والحرية والحكم الديمقراطى الرشيد، قبل أن تُجهض تلك الأحلام المشروعة بسبب الانقلابات والثورات المضادة».

ثم تتابع تلك الأطروحة الوصف والتأريخ؛ فتتحدث عن تحول الوضع فى سوريا إلى حرب أهلية مكتملة الأركان، فى ظل تدخل دولى وإقليمى عارم وحاسم، فضلاً عن غرق اليمن فى المستنقع ذاته، إضافة إلى الإجراءات الاستثنائية التى فرضها الرئيس التونسى أخيراً، وصولاً إلى ما يحدث فى السودان حالياً.

سيكون من الجائز بطبيعة الحال أن يلقى التصور الأولى لهذا الطرح قبولاً وتفهماً، خصوصاً فيما يتصل بوجود رغبة لدى قطاعات مؤثرة من مواطنى دول التغيير العربية فى إحداث التغيير الإيجابى عبر الانتفاض، وسيكون من الضرورى أيضاً مشاركة هذا التصور تحسّره على ضياع تلك الفرصة، والحزن والمرارة العميقة لما آلت إليه الأوضاع فى الدول التى شهدت تشظياً وحروباً أهلية وتدخلات خارجية وتضعضعاً للسيادة.

لكن، مع ذلك سيكون من المنصف محاولة تقصى دور الغرب تحديداً فى هذا الملف، وإذا ما كان هذا الدور يتحلى بالإيجابية والاتساق الواجبين، وكذلك ستكون هناك ضرورة للسؤال عن دور الحركات الإسلاموية فى إفساد الاحتمالات الإيجابية لعمليات التغيير عبر الانتفاض والثورة.

فمع اندلاع الانتفاضات ورد مصطلح «الربيع العربى» إلينا من الغرب، ومع ذلك، فقد استخدمه كثيرون بيننا بحسن نية، باعتباره «مقدمات لتغيير سياسى واقتصادى واجتماعى وثقافى، سيأخذ تلك المنطقة التى تخاصم الحداثة وتعاند التاريخ إلى مصاف الدول المتقدمة، عبر عمليات انتقال ديمقراطى حان وقتها».

لكن ما حدث على الأرض كان محاولة تسليم مقدرات تلك الدول كلها لحركات «الإسلام السياسى» بأطيافها التى تُصنّف «معتدلة» أو «إرهابية».

فى ليبيا واليمن وسوريا، ولاحقاً العراق، قادت الانتفاضات تلك الدول إلى «شتاء أصولى» هيمنت الميليشيات الإسلاموية على تفاصيله، وغرقت فى حروب أهلية، وفى مصر نجح تنظيم «الإخوان» فى سرقة انتفاضة يناير محاولاً تحويل البلاد إلى مطية لأوهام «الخلافة المزعومة»، قبل أن تنجح انتفاضة 30 يونيو فى إطاحته.

يقودنا هذا إلى محاولة الاستفسار عن الأسباب التى حرفت تلك الانتفاضات عن اتجاهاتها المرجوة، إلى حد أن قطاعات كبيرة من المواطنين العرب أضحت أكثر اعتقاداً فى أن تلك الانتفاضات كانت «مؤامرات تخريبية مدبرة» بهدف «إسقاط الدول العربية» التى اندلعت فيها.

واليوم لا توجد فسحة لأى خلاف حول فداحة التكاليف الاقتصادية للانتفاضات، لكن يبدو أن التكاليف السياسية كانت أكثر كارثية، فى ظل انهيار الدولة الوطنية فى أكثر من موضع، وتحول عدد من الدول العربية إلى ملاعب مفتوحة لفعل الفاعلين من كل حدب وصوب.

يقودنا هذا إلى محاولة الاستفسار عن الأسباب التى قادت إلى وقوع الانتفاضات أو الثورات، خاصة ونحن نعرف أنها ليست مطلباً أو هدفاً فى حد ذاتها لأى مجتمع. فثمة العديد من الأسباب الداخلية والخارجية لتلك الانتفاضات بطبيعة الحال، لكن أهمها يكمن فى أن الجمهور ينتفض أو يثور حين يكون الإصلاح ضرورة، وحين يكون الطريق إليه مسدوداً.

ويمكن القول أن هذين العاملين توافرا بشكل أو بآخر فى معظم الدول التى شهدت التغيرات الحادة، لكن تحول تلك الانتفاضات أو الاحتجاجات إلى عملية بناء حقيقية، تأخذ المجتمعات التى اندلعت فيها إلى أوضاع أفضل، هو مسألة أكثر صعوبة وتعقيداً.

واليوم أصبحنا نعرف أنه لكى تثمر الثورات والانتفاضات تحولات إيجابية ملموسة، فإنه من الضرورى أن تحظى بأجواء سياسية نشطة ومنفتحة، ولا تهيمن على شارعها السياسى حركات إسلاموية ذات نزوع أحادى صارم واستبدادى باسم الدين.

ليست تلك كل العوامل التى يجب أن تتوافر لكى تتحول الانتفاضات والثورات إلى عمليات سياسية ناجعة، لكن التفاعل الإقليمى والدولى، خصوصاً إرادة الفاعلين المؤثرين الكبار، يؤدى دوراً حاسماً فى هذا الإطار.

لقد لعبت بعض القوى والمصالح الغربية تحديداً أدواراً سلبية إزاء دول التغيير العربية، وفى سعيها لإقرار نموذجها الخاص ورؤيتها المحددة لم تفرق بين مطالب الثورة والتغيير فى تلك البلدان، وبين نزعات الحركات والميليشيات الإسلاموية.

وكان دعم تلك الحركات، أو التغاضى عن مخاصمتها لقواعد الديمقراطية والحكم الرشيد، دوراً مهماً فى فهم الجمهور لضرورة عدم الانصياع للرغبات الغربية فى تسييد النزعات الإسلاموية وحملها إلى مراتب السلطة العليا.

فقد الإسلامويون الحكم بالانتفاضات وبالاحتجاجات والعصيان، وبنتائج الانتخابات النزيهة، وبالتدخل الاستثنائى المباشر، كما حدث فى معظم دول التغيير.

واليوم باتت المنطقة على فوهة بركان من جديد، وهو أمر لم تستثن منه البلدان التى ما زالت تعيش أجواء «الثورات» التى تحولت حروباً أهلية، أو البلدان التى سعت إلى التخلُّص من هيمنة الإسلامويين بطرق عديدة.

وفى كل الأحوال لم تعد المنطقة مستسيغة لفكر الثورة والانتفاض، ولم تعد واثقة فى نوايا التدخلات الغربية، وباتت مدركة لخطورة الاستسلام لدعاوى السياسة المستندة إلى التأويلات الدينية، وأكثر تناقضاً مع مفهوم «الربيع المزعوم» بوصفه رافعة لتسليم السلطة للإسلامويين.

* نقلا عن " الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.