.
.
.
.

واقعنا الصعب.. ودكان «السباعي» للأخلاق

موضي عبد العزيز الحمود

نشر في: آخر تحديث:

لم أجد أدق من وصف لحالنا المحلي وواقعنا العربي اليوم إلا ما استذكرته من رواية جميلة للكاتب يوسف السباعي رحمه الله، «أرض النفاق» التي كتبها قبل سبعين عاماً، حيث قَصَد وهو يمشي على ضفاف النيل بعد غدائه دكاناً كُتب على مدخله «تاجر أخلاق جملة ومفرد».. ليجد مجموعة من «الشوالات» كُتب على كل منها بالتوالي «صدق، شجاعة، مروءة، نفاق،.. إلخ». اشترى بضعة غرامات من شوال «الشجاعة» تناولها مع كأس ماء.. ليجد نفسه محاصراً من قبل رئيسه في العمل الذي أمر بطرده، كما نبذه أهله وزوجته وأبناؤه، ووجد نفسه وحيداً في بيته لشجاعته وصراحته.. اضطر بعدها للعودة إلى الدكان ليشتري حفنة من شوال «النفاق» ويتناولها.. عندها فقط تبدلت أحواله وانفتح له باب السعادة في العمل ليرتقي وتحيط به أسرته وأصدقاؤه بحب وتقدير.
ذهب مسرعاً إلى الدكان ليشتري كل شوال «النفاق» ويسكبه في النهر الجاري ليشرب منه الكل.. وربما شرب منه بعض العرب المجتمعين في مدينته!

وها هو حال الكثير من العرب بعد شرب هذا الماء.. وهذا التعبير يصدق على أحوالنا المحلية وأحوال أغلب دولنا العربية، التي ربما شربت جموع فيها من هذا الماء مضافاً إليه كميات من شوالات أخرى غير شوالات يوسف السباعي، «كالمكابرة» و«التسلط» و«الفساد»، لذا نجد كثيراً من مجتمعاتنا العربية قد أنهكتها صراعات داخلية وخلافات متأصلة بين جماعات متطرفة وفئات متعصبة وولاءات متفرقة.. فكم نحن اليوم بحاجة إلى ذاك الشوال من «الشجاعة» لمواجهة واقعنا الصعب والوقوف بكل حزم لما يهددنا، سواء من داخل مجتمعاتنا أو من خارج دولنا.

محيطنا صعب، وجيراننا كل منهم يريد تحقيق التفوق والسيطرة، ولا نُبرئ أحداً منهم، إيران وإسرائيل وتركيا، ولا نعرف من القادم من وراء البحار.. هذه ليست فلسفة، بل واقع نعيشه يومياً وتزيدنا أحداثه فرقة، على الرغم من أننا نعلم علم اليقين بأنه لا استقرار للشعوب إلا بالتعايش ولا للحكومات إلا بتقريب وجهات النظر والتوافق واقتران المصالح والمشاركة الحقيقية لشعوبها والبُعد عن المكابرة.. ولا مكان في عالم اليوم لمجتمعات متفرقة، ولا نجاة لجماعات وأفراد يحكمهم التصيد والمكيدة والتسيّد على الآخرين.. فالأوطان للجميع والأرض يرثها الله وحده.. والله الموفق.

* نقلا عن " القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.