.
.
.
.

الرهان على جريمة الشرف

خالد منتصر

نشر في: آخر تحديث:

«ساعة ما سمعته بيصرخ: ده اغتصب أمى وأختى.. تركته وبعدت وجسمى قشعر».. هذا قول واحد من الشهود الذين كانوا فى موقع الحادث البشع فى الإسماعيلية، حيث ذبح شابٌ رجلاً فى الخمسينات وفصل رأسه عن جسده وظل يسير به فى الشوارع متباهياً فخوراً بجريمته! الحادث مرعب ودروسه ودلالاته أكثر رعباً، هذه الجملة وتلك اللقطة تدل على أن المجرم برغم عدم اتزانه النفسى فإنه راهن على التوابل الجنسية للحادث وتأثير كلمة جريمة شرف كتخفيف للاحتقان والغضب، راهن عليها كطوق نجاة، وراهن على الوعى الجمعى الذى ما زال يمجد حكاية شفيقة ومتولى كملحمة فخر.

بداية، أى طفل فى ابتدائى لا يستطيع تصديق حكاية اغتصاب الأم والأخت التى لم ترد إلا على لسان القاتل، وتضارب الحكايات والعنعنات التى أضافت الزوجة لقائمة المغتصبات، أثبت كذب الرواية لأن الشاب غير متزوج أصلاً! التجارة بشعار جريمة الشرف و«غسلت عارى» وكل تلك الكليشيهات التى تبرر العنف وتسوغ الخروج على القانون لا بد أن تكون مرفوضة، وحصر مفهوم الشرف فى الغشاء وفى النصف الأسفل بعيداً عن شرف الصدق والأمانة هو عودة إلى قبلية العصور الوسطى وسيادة العرف على القانون، أتمنى من المواقع والقنوات أن تعتذر عن مانشيتات العلاقة الآثمة والاغتصاب.. إلخ، فالرجل القتيل الغلبان لا يحتاج إلى تشويه السمعة بعد تشويه الجثة.

دروس أخرى كثيرة مستخلصة من تلك الجريمة تحتاج إلى مجلدات ودراسات من علماء الاجتماع والنفس، تأثير المخدرات اللعين، ومنها الجديد الرخيص مثل الشابو والهيدرو، الذى يتفنن المدمنون فى طرق شمِّه وبلبعته، والذى فوجئت شخصياً بأن من أسباب سرقة لمبات فوانيس العربيات، هو أن المدمن يشم المخدر على حرارتها وضوئها! الدعوة لزيادة المصحات النفسية ذات التكلفة المناسبة البعيدة عن الأرقام الفلكية التى لا يستطيع تحملها إلا الأثرياء، تشجيع خريجى كلية الطب على تخصص الأمراض النفسية وزيادة نياباتها فى الجامعة ووزارة الصحة، حتى تصبح عندنا كوادر مؤهلة للتعامل مع تلك الحالات، عدم ترك أصحاب المرض العقلى وليس النفسى فى الشوارع بدون علاج فى مصحات معتمدة، السؤال عن سبب «الأنا مالية» واللامبالاة والتبلد الوجدانى فى مواجهة كثير من مظاهر العنف والتحرش فى الشارع المصرى، التحكم فى تجارة الأسلحة البيضاء واستخدامها، أطالب بندوات ومؤتمرات ودراسات لتشخيص ظاهرة العنف بداية من العنف اللفظى وصولاً إلى هذا العنف الفاجر كما شاهدناه، تضم تلك المؤتمرات ويقوم بتلك الدراسات أساتذة علم اجتماع ومنهم من نعرف صرامته العلمية واجتهاده وإبداعه مثل د. هدى زكريا. نحتاج إلى قراءة خريطة مصر النفسية ولدينا أستاذنا د. أحمد عكاشة.

نحتاج إلى برامج توعية ضد خطر المخدرات التى باتت صداعاً وسرطاناً يصطاد شبابنا بالذات وهم فى مقتبل الحياة، فى اعتقادى أن دراسة صفحة الجريمة والحوادث صارت أهم من دراسة الصفحات الأولى.

* نقلا عن " الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.