.
.
.
.

انتحال "داعش" عدواً بعد هزيمة "الحشد" في الانتخابات العراقية

فاروق يوسف

نشر في: آخر تحديث:

بالرغم من الحرب المكلفة التي شنتها قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة على التنظيم الإرهابي "داعش" وكان من نتائجها المباشرة تحرير الموصل ومدن عراقية أخرى كانت قد خرجت عام 2014 عن سيطرة حكومة بغداد، فإن مقاتلي "داعش" لا يزالون يتحركون على الأراضي العراقية بخفة ويمارسون أعمالهم الإرهابية في قتل المدنيين من غير أن تتمكن القوات الحكومية أو الأجهزة الأمنية من تدمير قواعدهم.

يُقال في تفسير تلك الظاهرة إن التنظيم الإرهابي نجح في العثور على البيئة الاجتماعية التي تؤويه وهي بيئة مؤثثة بكل الأسباب التي تدعو إلى الشعور بالظلم والحيف والتمييز والعزل ونقص المواطنة. ومن تلك الأسباب ما يتعلق بعدد من فصائل "الحشد الشعبي" التي يصر زعماؤها على أن تسوية الأمور في المناطق المحررة من الاحتلال "الداعشي" يجب أن تتم من طريق السلاح، بمعنى احلال قوات "الحشد" محل مقاتلي "داعش" وهو ما أدى إلى استبدال احتلال باحتلال. اما الحجة في ذلك فتعود إلى غياب الثقة بأهالي المدن المحررة، كونهم، بحسب المنطق "الحشدي"، هيأوا الحاضنة التي استقبلت "داعش" ومدته بالمقاتلين الجدد وراهنت على قدرته على إنهاء ظروف القهر التي كان الأهالي يعانون منها بسبب سياسات حكومة نوري المالكي الطائفية.

وكما هو واضح، فإن تلك الحجة تنطوي على قدر لافت من الخلط بين ما هو واقعي وبين ما هو مستنتج بطريقة، كان الخطأ فيها مبيتاً من أجل فرض واقع، عملت الميليشيات الموالية لإيران على فرضه وبالأخص في محافظة ديالى المحاذية لإيران. وهو ما يفسر رفض تلك الميليشيات عودة سكان عدد من المناطق المحررة إلى بيوتهم. كما أنه يضع بين قوسي الشك المغزى الذي تنطوي عليه الهجمات التي تتعرض لها بلدات وقرى تقع في محيط تلك المحافظة والتي ينتج منها سقوط عشرات القتلى من المدنيين.

ولأن العراق هو عبارة عن ترسانة أسلحة غير قانونية في ظل العودة إلى أنظمة ما قبل الدولة أي الانظمة العشائرية، فمن الطبيعي أن يجر القتل إلى قتل مقابل بدواعي الانتقام. وهو ما لا يخرج عن دائرة العنف والفوضى التي تشير بأصابع الاتهام إلى القوة الأكثر تنظيماً في مناطق ما يُسمى تجاوزاً بالنزاع الأهلي. وليست هناك من قوة تنافس "الحشد الشعبي" في ذلك حتى لو قبلنا بفرضية استمرار "داعش" في نشاطه الإرهابي. ذلك لأنه ليس من المنطقي وبعد سنوات من وضع فصائل "الحشد" يدها على تلك المناطق أن يقوم مقاتلو "داعش" بارتكاب مجازر ضد السكان المدنيين وبالأخص إذا كان أولئك السكان من أتباع المذهب الشيعي إلا إذا كان الخرق الأمني أو الاهمال مقصوداً.


لذلك يمكن النظر إلى تجدد ما يُسمى بالفتنة الطائفية في مناطق يُفترض أنها تحت سيطرة "الحشد الشعبي" منذ سنوات، من جهة كونها تجسيداً للأزمة التي تمر بها القوى السياسية الممثلة لـ"الحشد" في العملية السياسية التي شهدت نوعاً من الخلخلة بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة، كانت الهزيمة التي منيت بها القوى الموالية لإيران هي أبرز سماتها. فوفقاً لنتائج الانتخابات لم تعد الواجهة السياسية لـ"الحشد" تملك القدرة التي تؤهلها مستقبلاً للدفاع عن استمرارية "الحشد" في مواجهة الدعوات الشعبية المتصاعدة لحله بعدما انتفت الحاجة إليه، والتي ارتبطت أصلاً بالدفاع عن بغداد و"العتبات المقدسة" وفق فتوى السيستاني في الجهاد الكفائي وهي الفتوى التي يلوح بها "الحشديون" كونها تستند إلى مرجعية لا تقبل النقض.

وهكذا فإن "الحشد الشعبي" يمر بأزمة قد تعرض مصيره لكثير من التداعيات الخطيرة. ومن الواضح أن الاحتجاجات والتظاهرات والاستعراضات العسكرية التي قام بها "الحشديون" قد فشلت حتى الآن في وضع تلك الأزمة على طاولة التفاوض بين الكتل السياسية الفائزة وفي كسر حدود العزلة السياسية التي صارت فصائل "الحشد" تشعر بها. فلم يعد هناك من حل سوى اللجوء إلى السلاح الذي بدلاً من أن يوجه في المركز إلى جمهور الأحزاب الفائزة فيكون هناك قتال شيعي - شيعي لا تحبذ إيران وقوعه تمت برمجته بطريقة توحي بعودة النزاع الطائفي في مناطق الهامش المنسية، حيث لا تملك الحكومة أن تفعل شيئاً في ظل هشاشة أمنية لم يكن في الإمكان ضبطها بسبب سيطرة "الحشد الشعبي" المطلقة على تلك المناطق.

ومن أجل أن يأخذ النزاع صيغة طائفية كان لا بد من إحياء "داعش". إما من طريق بعث الحياة في خلايا "داعشية" نائمة وهو أمر مستبعد أو من طريق إلقاء مسؤولية ما يحدث على "داعش" من غير أن يكون هناك إمكان للتحقق المحايد من ذلك. اما لماذا "داعش"؟ فلأنه الطرف "السنّي" الذي لا تكتمل معادلة وجوده إلا من خلال "طرف شيعي" يساويه في القوة ويقابله بالتطرف الطائفي نفسه. ليس هناك في الساحة العراقية من قوة شيعية مسلحة تنافس "الحشد الشعبي" في القيام بذلك الدور. ولهذا تبدو فكرة إحياء "داعش" ضرورية من أجل أن يستعيد "الحشد الشعبي" مكانته في المنظور الشعبي ومن ثم الحياة السياسية بعدما بدا لكثيرين أن انفراجاً في الحياة السياسية يمكن أن يتحقق من خلال استبعاد ممثلي "الحشد".

* نقلا عن " النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.