.
.
.
.

ماذا يجري خلف أسوار الصين؟

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

إلى أي مدى تلعب الصين في الآونة الأخيرة دورا معززا للاستقرار العالمي على الصعيد السياسي، وهل هي رافعة العالم أم هاويته على الصعيد الاقتصادي؟

الشاهد أن رهانات الصين الرئيسية في الأصل تتمحور حول الاقتصاد بأكثر من السياسة أو الأحلام القطبية، وهو الطريق الذي سلكته من قبلها غالبية إن لم يكن كل الإمبراطوريات، فهي تقوى اقتصاديا، ثم تنطلق عسكريا حول العالم.

كثيرا ما أشرنا إلى أن الصين غير معنية بالردع النووي، لا سيما تجاه الولايات المتحدة الأميركية، لكنها في الوقت عينه كانت ولا تزال محمومة بل مهمومة بالردع النقدي.

غير أن عامين من تفشي جائحة كوفيد-19 بين الصينيين، أفقدت المشروع الصيني الكثير من الزخم الذي اجتمع لها في العقدين الماضيين، لا سيما بعد أن وجهت أصابع الاتهام لها من جراء تكتمها على أخبار انتشار الفيروس، الأمر الذي أدى إلى المزيد من انتشاره حول العالم.

فقدت الصين في واقع الأمر الكثير من مصداقيتها لدى الشعوب المجاورة، تلك التي يتكشف لها يوميا أن الصين تسببت في إلحاق الضرر الكبير بها، وفي مقدم المتضررين القارة الأوروبية، والتي كانت قاب قوسين أو أدنى من الدخول في شراكات استراتيجية مع الصين، بل إن أحلام أوراسيا كانت تلوح في الأفق للأوروبيين، الأمر الذي تغير بشكل كبير في الفترة الأخيرة بسبب غياب الثقة.

تبدو الصين اليوم اقتصاديا بعيدة كل البعد عن القول بأنها رافعة العالم اقتصاديا، فما لحق بها من خسائر بعد عامي كورونا، أدى إلى تباطؤ النمو الاقتصادي داخلها الأمر الذي يتهدد في واقع الأمر اقتصاد العالم برمته.

ما الذي يجري في الصين وإلى أين تمضي أوضاعها الاقتصادية، وكيف لها أن تؤثر تأثيرا كبيرا على أحوال العالم اقتصاديا شرقا غربا؟

منذ نهار الثلاثاء والقلق يعتري الدوائر العالمية من جراء الطلب الذي وجهته الحكومة الصينية لمواطنيها بشأن ضرورة تخزين بعض الضروريات من الأغذية والحبوب، الأمر الذي خلق تكالبا على السلع في داخل البلاد، وهلع في الأسواق العالمية، لا سيما في ظل غياب رؤية حقيقية للسبب الحقيقي وراء الطلب الصيني الداخلي.

وفقا لبيان صادر عن وزارة التجارة الصينية، حثت السلطات المحلية على استقرار الأسعار وضمان الإمدادات من الضروريات اليومية، بما في ذلك الخضار هذا الشتاء والربيع المقبل، كما تم تشجيع الأسر الصينية على تخزين كمية معينة من الضروريات اليومية استعدادا لأشهر الشتاء أو حالات الطوارئ.

تبدو الصيغة الغامضة للحكومة الصينية سببا مؤكدا يدفع في طريق القلاقل الاقتصادية كوكبيا، فالصين تقف خلف العديد من سلاسل الإمدادات العالمية، إلى الدرجة التي اكتشف معها الأميركيون خلال الأشهر الأولى من تفشي الوباء، أن غالبية مصانع أدويتهم تقع اليوم في الصين، الأمر الذي يعد تهديدا مباشرا لأمنهم القومي.

ماذا وراء هذا الطلب المثير للذعر؟

الشاهد أنه وحتى الساعة تضاربت الآراء ولا يوجد حديث شاف واف، فهناك من يرى أن الصين تستعد لمواجهة زحف الفيروس الشائه هذا الشتاء مرة أخرى، ومع الأخذ في عين الاعتبار أن بكين تمضي بصرامة في خطة للمحافظة على وضع "صفر كوفيد" فإنها قد تقوم بإغلاقات أخرى في الأسابيع القادمة، ما جعل الشكاوى تتصاعد من أن الصين ستصبح دولة معزولة عن العالم بسبب القيود المفروضة على حرية الحركة والتنقل.

إلى جانب القيود الوبائية المشددة، والاحتمال الكبير لارتفاع الإصابات في فصل الشتاء كالمعتاد، هناك مخاوف أخرى غير مرتبطة بوباء كوفيد -19.

بعض المصادر داخل الصين تتحدث – ولو بصوت خافت – عن احتمالات تفشي وباء جديد داخل الصين، لا أحد يعلم عنه حتى الآن، وإن كان من باب التوقعات، غير أن كل شيء وارد في الصين حيث تغيب الشفافية.

الأمر الآخر الذي يفتح له بيان وزارة التجارة الصينية الباب واسعا، مرتبط بأحوال الحرب، وهنا فإن العارفين ببواطن الأمور يدركون أن الصين حتى وإن كانت غير راغبة في الحرب والمواجهة، إلا أنها تضعها في حسبانها، ولعل ملف الصراع في بحر الصين الجنوبي من جهة، والخلاف على مستقبل جزيرة تايوان من جهة ثانية، يجعل الصدام العسكري مع الولايات المتحدة أمرا واردا وبقوة، وتحقق فخ ثيوثيديديس أمرا ممكنا بشدة، بالضبط كما حدث قبل الميلاد بين اسبرطة وأثينا.

هل الصين تلعب دورا معززا لأحوال العالم على الصعيد المناخي؟

الشاهد أنه وبينما يتفاوض قادة العالم على اتفاق في مؤتمر الأطراف حول المناخ "كوب 26" بغية تجنيب الأرض مواجهة احترار مناخي "كارثي"، أقدمت الصين على زيادة إنتاجها اليومي من الفحم بأكثر من مليون طن، وسط شح في الطاقة الكهربائية.

وفي خضم انتعاش الاقتصاد العالمي، تعاني الصين من ارتفاع تكلفة المواد الأولية، خصوصا الفحم الذي تعتمد عليه الدولة الآسيوية بنسبة 60% لتشغيل محطات إنتاج الطاقة الخاصة بها.

عطفا على ذلك فإن أزمة قطاع العقارات في الصين، من جراء تراكم الديون على شركة، إيفر غراند، العملاقة واحتمالات توقفها عن سداد ديونها، فتح الباب واسعا لقراءات اقتصادية مثيرة للقلق حول إمكانية تفاقم الأزمة عالميا، وتجاوز خسائرها ما جرى عام 2008 من جراء أزمة الرهونات العقارية في الولايات المتحدة الأميركية، والتي تسببت في أزمة مالية عالمية كبيرة، ما خرجت الأمم منها إلا بشق الأنفس.

التساؤل الآن ما هي حقيقة المشهد الصيني؟

لا أحد يمتلك جوابا جامعا مانعا، وهذا هو أخطر ما يمكن في زمن الترابط العولمي جغرافيا وديموغرافيا، ومعه تخسر الصين الكثير من مزايا أنموذجها وتجربتها التي رفعتها إلى فوق، فيما الغموض غير البناء قد يأخذها إلى هوة سحيقة والعالم من حولها.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.