.
.
.
.

السادات والمؤامرة

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

كنت أتصور أن مسألة اختيار السادات نائبًا لرئيس الجمهورية باتت في ذمة التاريخ، مع التسليم بأن التاريخ ليس منقطع الصلة تمامًا بالحاضر وربما بالمستقبل أيضًا، وبهذا المعنى يمكن أن نتأملها ونبحث فيها بقدر كبير من الهدوء وتنحية الانحيازات والمواقف الأيديولوجية أو المشاعر الخاصة، ودودة كانت أو كارهة.

نحن على مسافة ٥٢ عامًا من الحدث، لكن التعليقات التي تلقيتها الأسبوع الماضى من بعض السادة المتخصصين والباحثين والمهتمين بالشأن العام تعاملت مع القرار وكأنه صدر اليوم. تعليقات حادة وغاضبة، وينطلق معظمها من تصور «المؤامرة»، على الرئيس عبدالناصر أولًا وعلى مصر ثانيًا، ثم على الأمة العربية كلها، بعض التعليقات أدانت عبدالناصر نفسه في هذا القرار. هذه الآراء تختلف عن الاعتراضات التقليدية التي صورت الأمر وكأن عبدالناصر اختار السادات نائبًا في لحظة طارئة، ثم نسى الأمر كله، إلى أن تدخل القدر ولبّى ناصر نداء ربه، وهكذا في مصادفة قدَرية صار السادات رئيسًا. التعليقات أو التحليلات التي تتبنى المؤامرة تسير في الاتجاه المضاد، لا مصادفة ولا لحظة أو موقف طارئ دفع عبدالناصر إلى اتخاذ هذا القرار، بل كان هناك تخطيط هندسى وحسابى دقيق ورسم جهنمى مُحْكَم، رسم سيناريو بكافة التفاصيل، على النحو التالى .

كانت هناك مؤامرة لتصفية الرئيس جمال عبدالناصر، ثم تصفية مشروعه السياسى والاجتماعى والقومى، وتحددت ساعة الصفر يوم ٢٨ سبتمبر سنة ٧٠، وهناك الكثير من الحكايات والوقائع التي رُويت في ذلك، وتسمعها من أناس ناضجين، مثل أن طبيب العلاج الطبيعى قام بتدليك ساق الزعيم بمرهم مُسمَّم، يؤدى إلى الوفاة بعد فترة زمنية محددة، وحكى لى زميل عزيز، وهو مُدقِّق جدًا، أنه سمع من حسين الشافعى، بعد أن تقاعد، وكان كثير الأحاديث للصحافة والإعلام، أن سُمًّا وُضع في كوب عصير كان مُجهَّزًا ليُقدَّم لأحد المسؤولين العرب، والذى كان في لقاء مع عبدالناصر، وحدث خطأً في أن عبدالناصر مد يده وأخذ الكوب المسموم، إذ لم يكن لديه علم بالعملية، ولما رددت عليه بأن عبدالناصر لم يقابل ذلك الحاكم لقاء منفردًا خلال تلك الأيام، وأن مَن يقدم مشروبًا لمسؤولين بهذا المستوى لن يحمل صينية مليئة بالأكواب ويترك له اختيار الكوب، على طريقة المضيفة في الموالد الصوفية، ولكن سوف يكون كل كوب محددًا، وسوف يوضع أمام المسؤول، ولو أن هناك عملية بهذا المستوى لابد أن يُستأذن الرئيس فيها ويوافق عليها صراحة، إن لم يكن هو الذي أمر بها، ولو أن هناك محاولة تسميم فلن تتم في وجود رئيس الجمهورية وبحضوره الشخصى، فمقام الرئاسة والرئيس أكبر من ذلك، ولا يمكن للرئيس أن يدعو ضيفًا إلى القمة العربية ولا يحمى حياته أثناء زيارته وحتى المغادرة لأنها ستصبح فضيحة أمنية وسياسية للبلد كله، تضرب سمعته وتُفقده أي مصداقية، رد بأن ذلك ما سمعه، والحديث مُسجَّل لديه (هكذا قال لى ).

وهناك الواقعة الشهيرة التي رواها هيكل عن حكاية فنجان القهوة الذي أعده السادات بنفسه لعبدالناصر، حين كان عبدالناصر يقيم في فندق الهيلتون أثناء القمة العربية الأخيرة (سبتمبر ٧٠)، وقد احتدَّ عبدالناصر بسبب تعنت ياسر عرفات والملك حسين، وأراد السادات تهدئة عبدالناصر فأعد بنفسه له فنجان قهوة، قيل إنه كان مُسمَّمًا، وقد نفى هيكل نفسه أن يكون الفنجان وُضع به السم، والحكاية كلها بالنسبة لى مستبعدة. لابد أن يرافق الرئيس فريق مُجهَّز ومؤمِّن لمثل هذه الأمور، وليس مسموحًا لأحد بأن يدخل مطبخ إعداد طعام أو مشروب للرئيس، وبصراحة لا يُعقل أن يقوم نائب رئيس الجمهورية ليعد فنجان القهوة، لعله لا يفعل ذلك في بيته هو، فهل يفعلها في مقر إقامة الرئيس؟. الرئيس لا يعامل ولا يسمح لمعاونيه بأن يقوموا بغير أدوارهم أو وظائفهم، هناك بروتوكولات صارمة ومراسم دقيقة، بل حديدية، في مثل هذه المواقع. عمومًا كل هذه الحكايات وغيرها يصعب الأخذ بها. صحيح أن عبدالناصر كان مستهدفًا في شخصه، من جهات خارجية وأطراف داخلية عميلة لتلك الجهات. محاولة اغتياله في المنشية برصاص خلية إخوانية في أكتوبر ٥٤ كانت واحدة من تلك المحاولات، وأظن أن ذلك حال كل مَن حكم أو سيحكم مصر لأسباب عديدة، ولأن هناك دائمًا مَن لا يريد لهذا البلد الاستقرار.

أنور السادات اغتيل بالفعل، حسنى مبارك تعرض لأكثر من محاولة، أشهرها محاولة أديس أبابا. مسلسل الاختيار ٢ أطلعنا على إحدى الخطط التي كانت تُعد لاغتيال الرئيس السيسى، منذ أن كان وزيرًا للدفاع. أي رئيس لمصر يحاول النهوض بها أو يرفض المشروعات الدولية لاحتوائها من الوارد أن يتعرض للاغتيال، ناهيك عن جماعة الإرهاب من أجل الإرهاب، والتى يهمها اغتيال رأس الدولة. في حالة وفاة الرئيس عبدالناصر، لدينا شهادة الوفاة والتقرير الطبى الذي تأسّست عليه، وليس في التقرير الذي أعده فريق طبى محترم علميًا أي شىء من ذلك الذي تردد يوم الوفاة وبعدها مباشرة. يُضاف إلى ذلك أن القادة السوفييت الذين حضروا للمشاركة في الجنازة وضعوا ذلك الافتراض، وهو أن تكون الوفاة بسبب التسمم أو أي شىء آخر غير طبيعى، ولذا اقترحوا تشريح الجثمان للتأكد، لكن القيادة المصرية رفضت ذلك نهائيًّا.

المساس بالجثمان كان غير مقبول منهم جميعًا، السادات وعلى صبرى وغيرهما، هذا يعنى أنه لم يكن لديهم أي شك في سبب الوفاة، وأنهم كانوا مطمئنين إلى رأى الفريق الطبى المعالج للرئيس، وبالتأكيد كان أعضاء هذا الفريق موثوقًا بهم وطنيًا وأمنيًا، فضلًا عن الكفاءة الطبية والعلمية. د. منصور فايز، طبيب عبدالناصر الخاص، وضع كتابًا شرح فيه تجربته مع الرئيس وما تعرض له عبدالناصر صحيًا، وظل الرجل يمارس عمله الطبى حتى وفاته وكانت كفاءته ونزاهته موضع اتفاق الكثيرين.

لكن هناك مَن لايزال مقتنعًا بأن عبدالناصر تعرض لعملية اغتيال، ولذا كان لابد- طبقًا لوجهة النظر تلك- من تهيئة المسرح لهذه اللحظة، وهكذا جرى وضع أنور السادات في طريق عبدالناصر، ليس هذا فقط، بل تجهيزه لساعة الصفر، وإخلاء الساحة أمامه؛ وهنا تتباين التفصيلات، من أن الولايات المتحدة كانت تضع السادات تحت الاختبار والمراقبة منذ الخمسينيات. أصحاب هذه النظرية يتركزون في فريق من الناصريين والقوميين خارج مصر، في منطقة الشام، تحديدًا سوريا وفلسطين ولبنان، وإذا سألتَ: مَن وضع تلك الخطة أو المؤامرة؟، فسوف يكون الرد: «هم»، وإذا طلبت تفاصيل أكثر، تحديدًا مَن «هم»؟، فسوف تسمع كلمات عامة، مثل «قوى الإمبريالية العالمية»، متعاونة مع «الرجعية العربية» أو «الصهيونية»، وهكذا .

مرة أخرى لن يُجدى النقاش في تلك الفرضيات، مثل أن الولايات المتحدة، المخابرات المركزية تحديدًا، توقعت أن السادات سوف يكون رئيسًا مؤقتًا، وأنه لن يحكم إلا لعدة أسابيع، وفى أفضل الأحوال لشهور، ولذا ظلوا يتجاهلونه تمامًا حتى حرب أكتوبر، رغم أنه حاول طَرْق أبوابهم كثيرًا منذ أن تولى المسؤولية سنة ٧٠ .

بعض الآراء سارت في طريق المؤامرات الصغيرة، على طريقة أن عبدالناصر كان يريد أن يضمن بقاء الحكم في يد مجلس قيادة الثورة، فاختار السادات، ومثل أن عبدالناصر أراد أن يخترق الجانب الأمريكى باختيار السادات «المُفضَّل لديهم»، وأنه أراد اجتذاب الملك فيصل والمملكة العربية السعودية أكثر باختيار صديق الملك، وأنه فعل ذلك كله ليُكمل الاستعداد للحرب. رأى آخر رمى الكرة في ملعب السادات نفسه، إذ إنه تبين حالة الفراغ الإنسانى والإحباط الذي عاشه عبدالناصر بعد سوء العلاقات بين الأخير وصديقه الأثير عبدالحكيم عامر، ثم اختفاء الأخير بالانتحار، وهكذا تقدم السادات ليملأ ذلك الفراغ ويسيطر هو على

عبدالناصر، وكان أن نجح، وتحول بيت السادات إلى مكان مفضل لدى عبدالناصر، يقوم بزيارته باستمرار، ساعد على ذلك أن سيدة البيت كانت مضيافة وكريمة، أو «بنت بلد»، ثم صدر قرار توليته «نائب رئيس الجمهورية». واقع الحال أن عبدالناصر لم يكن يزور السادات فقط في منزله، كان يزور كذلك د. محمود فوزى في منزله بالهرم، رغم بُعد المسافة. ينسى هؤلاء أن مكتب عبدالناصر كان في نفس مقر السكن، يفصل بين غرفة نومه ومكتبه الرسمى أقل من عشرين مترًا، لم يكن مُتصوَّرًا أن تظل إقامته محددة داخل منزل منشية البكرى بمساحته المحدودة، ولذا كان من الطبيعى أن يخرج ويتحرك، ودائرة حركته في النهاية محدودة، لم يكن متاحًا له أن يخرج ليجلس على كورنيش النيل أو يصطحب أسرته للعشاء في النادى أو بأى مطعم في مكان عام .

عمومًا، يبدو أن حديث المؤامرة يستهوى بعضنا، وربما ضبابية بعض الأحداث وعدم تقبُّلها يدفعانا إلى البحث والتفكير في الأسباب والدوافع الغامضة أو الخفيّة. والحديث ممتد .

نقلا عن المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.