.
.
.
.

طهران وواشنطن محكومتان بالعودة إلى الاتفاق النووي

حسن فحص

نشر في: آخر تحديث:

أن تعلن طهران شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي موعداً للعودة إلى طاولة التفاوض مع مجموعة 4+1 لإحياء الاتفاق النووي، يعني أن النظام الإيراني يقترب أكثر من أي وقت مضى من دائرة اتخاذ القرار الاستراتيجي والمصيري في ما يتعلق بمستقبل علاقاته مع المجتمع الدولي عموماً، والتأسيس لعلاقة جديدة مع الولايات المتحدة تخرجه من دائرة العقوبات الاقتصادية وتفتح أمامه طريق العودة لكسر العزلة الدولية التي يعاني منها، خصوصاً.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق، هو على أي أساس قررت طهران العودة إلى طاولة التفاوض، هل ستعود إلى الاتفاق السابق ذاته، بعد أن تعرّض لسيل عارم من الانتقاد والتفنيد والتشكيك من جانب الجماعات أو التيار الذي استولى على السلطة على أنقاض حكومة الرئيس حسن روحاني وفريقه المفاوض الذي توصل إلى عقد هذا الاتفاق؟ أم ستعمل للوصول عبر التفاوض الجديد إلى نتائج أفضل من السابق، وما هي الآليات التي ستعتمدها أو ستلجأ إليها من أجل الوصول إلى هذا الهدف من دون القبول بإدخال تعديلات على النص القديم، الذي تتمسك بالعودة إليه من دون أي تعديل، وتصر على إلغاء جميع العقوبات الاقتصادية والسياسية التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب بعد قرار الانسحاب من الاتفاق عام 2018؟ وقد رفضت طهران ما تم التوصل إليه من نتائج في الجولة السادسة من المفاوضات التي قادها كبير المفاوضين السابق عباس عراقجي في فيينا في أبريل (نيسان) الماضي وأفضى إلى موافقة واشنطن على إلغاء جزء كبير من العقوبات والإبقاء على الجزء الذي لا علاقة له بالأنشطة النووية ويتعلق بجانب حقوق الإنسان ودعم الإرهاب.

حكومة الرئيس إبراهيم رئيسي، التي تبدو راغبة بتحقيق تقدم على خط التفاوض وإحياء الاتفاق والخروج من العقوبات، بما يسمح لها بتعزيز خطواتها الإصلاحية على المستوى الاقتصادي ويعزز موقعها الشعبي، تلقى دعماً واضحاً في هذه النقطة من القوى الإصلاحية والمعتدلة التي تمثل أو كانت تقف خلف الرئيس السابق ووزير خارجيته محمد جواد ظريف في سياسة الانفتاح الدولي وتفكيك الألغام أمام عودة إيران للعب دورها الطبيعي دولياً وإقليمياً.

وإلى جانب ذلك، فإن قسماً من التيار المحافظ الذي يتمتع برؤية واقعية تنظر بعين الحقيقة إلى المخاطر التي تهدد المصالح الاستراتيجية للنظام واستمراره داخلياً وخارجياً، تؤيد العودة إلى الاتفاق بما كان عليه قبل انحساب ترمب وإعادة فرض العقوبات. إلا أن التهديد الذي تواجهه مساعي الحكومة في هذا المسار يأتي من التيار المتشدد أو من المحافظين الجدد الذين يعارضون أصلاً الاتفاق ويعملون على إيصال الأمور إلى حيث يكون النظام مجبراً على الانسحاب منه، لكن من دون تقديم رؤية واضحة لمستقبل إيران والنظام في حال أعاد مجلس الأمن الدولي فرض عقوبات دولية ملزمة ضد البلاد ربما تكون تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة بناء على قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 2231 الراعي لاتفاق فيينا 2015.

وربما تبدو إمكانية تفجير المفاوضات أو جهود العودة إلى طاولة التفاوض صادرة من داخل الفريق الذي من المفترض أن يتولى هذه المهمة الدبلوماسية، تحديداً من المساعد السياسي لوزير الخارجية وكبير المفاوضين علي باقري كني، على عكس إرادة المجلس الأعلى للأمن القومي الذي يتولى مهمة رسم السياسة الاستراتيجية لإيران والنظام في الموضوع النووي بالتنسيق مع المرشد الأعلى علي خامنئي. فالأصوات الداخلية المحذرة من التشدد الذي يميز شخصية المفاوض الإيراني الجديد تعالت في الآونة الأخيرة، لجهة أن باقري كني كان جزءًا من الفريق المفاوض السابق الذي ترأسه سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي السابق سعيد جليلي، وانتهت منهجيته في التفاوض إلى صدور أربعة قرارات من مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات ضد إيران ودخولها في عزلة دولية ما زالت تعاني من آثارها حتى اليوم. وهي منهجية تجد مؤيدين كثراً لها داخل البلاد، وقد تزداد وتيرة معارضتها للتفاوض في الأيام المقبلة مع اقتراب لحظة إعلان موعد العودة إلى المحادثات، من دون أن تأخذ في الاعتبار الشعار الذي رفعته حكومة رئيسي باستمرار التفاوض مع إداخل التغييرات والتعديلات التي تراها ضرورية من أجل العودة إلى طاولة البحث وضمان استمرار أي اتفاق ذي طابع دولي يتعلق بالبرنامج النووي.

خلاصة الأمر أن في المرحلة المقبلة لن يكون الموقف الإيراني في الاستمرار بالمماطلة والتسويف ممكناً. وهو الأمر ذاته بالنسبة إلى الجانب الأميركي وإن كان بنسبة أقل مما هو لطهران. فهما سيكونان أمام حقائق لا تسمح لهما بالتراجع عن مسار التفاوض، وعليهما الاعتراف بحقيقة الحاجة إلى هذا، خصوصاً أن كلا الطرفين يريدان الانتهاء من التوتر للتفرغ للملفات الأخرى التي تشكل بالنسبة إلى كل منهما همّاً استراتيجياً. فواشنطن تحتاج إلى هذا الاتفاق من أجل العودة إلى ضبط الطموحات النووية للنظام الإيراني ومنع انتقاله إلى مرحلة متقدمة على طريق التحول إلى دولة نووية ما دون العسكرية بخطوة، بما يسمح لها بتركيز اهتماماتها على ملفات أخرى، خصوصاً في مواجهة الطموحات الصينية والتحدي الذي تطرحه مسألة تايوان في المرحلة المقبلة. وقد حاولت طهران توجيه رسائل طمأنة في هذا الإطار من خلال عودة المتحدث باسم الخارجية سعيد خطيب زاده إلى تأكيد فتوى حرمة امتلاك سلاح نووي الصادرة عن المرشد الأعلى.

من ناحتيها طهران قد تكون أكثر حاجة إلى الاتفاق وإحيائه، لإعادة تفعيل الاقتصاد الإيراني الذي يتجه نحو مزيد من التأزم مع استمرار العقوبات، وإن النوافذ التي تُفتح أمام تصدير النفط والعلاقات الاقتصادية غير مضمونة النتائج على وقع المسار التراجعي، فضلاً عن أن التأخير في حل أزمة العقوبات قد يعقّد مسار ترميم الاقتصاد الذي يعاني من أمراض مزمنة، ربما لا ينفع معها حتى إلغاء العقوبات، وإن أي تأخير جديد قد يدخل الاقتصاد في حالة استعصاء علاجي لا تنفع معها كل الخطوات التي قد تحصل في المستقبل.

نقلا عن اندبندنت عربية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.