.
.
.
.

​ هل أنقذ سعد الجبري حياة الأميركيين؟

حسن المصطفى

نشر في: آخر تحديث:

"الدكتور سعد أنقذ بالتأكيد أرواح الأميركيين، لقد أنقذ أرواح العديد من السعوديين وأنقذ حياة الأميركيين"، يقول النائب الأسبق لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية مايكل موريل، وذلك في جزء من مقابلة تلفزيونية مع برنامج "60 دقيقة" على قناة CBS الأميركية في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، ممتدحاً الدور الذي قام به المستشار الأمني السابق في وزارة الداخلية السعودية سعد الجبري، والذي يواجه تُهماً بـ"الفساد واختلاس الأموال".

موريل كان يشير في اللقاء إلى حادثة تعود إلى تشرين الأول (أكتوبر) 2010، عندما فككت شرطة دبي طابعة تحتوي على متفجرات، كانت متجهة إلى الولايات المتحدة، بحسب صحيفة "البيان" الإماراتية التي نقلت عن شرطة دبي أن "الطرد الذي ضُبط في مطار دبي على متن طائرة شحن تابعة لشركة "فيدكس"، قادماً من اليمن الى الولايات المتحدة، كان يحتوي على متفجرات ومزوداً بنظام تفجير، يحمل خصائص مشابهة لأساليب سابقة نفذها تنظيم "القاعدة" فيما أعلنت بريطانيا، أمس، أن العبوة الناسفة التي عثر عليها على متن طائرة شحن متجهة إلى الولايات المتحدة في مطار بريطاني كانت "صالحة للاستخدام" وكان يمكن أن تسقط طائرة إذا انفجرت.

مايكل موريل في إشادته بالجبري، لم يسرد القصة كاملة، فهو نقل جزءاً يسيراً منها، يتعلق بأن المسؤول السعودي السابق أبلغ السلطات الأميركية المعلومات التي جنبتهم وقوع العمل الإرهابي. إلا أن الأهم، كيف حصل الجبري على هذه المعلومات، وهل كان هو شخصياً من توصل إليها، وبذلك يستحق أن يُعجب به السيد موريل كل هذا الإعجاب!

القصة، وفق مصادر مطلعة، بدأت عندما استطاعت الأجهزة الأمنية السعودية أن تستدرج أحد عناصر "القاعدة" في اليمن، وتلقي القبض عليه، وهو أثناء التحقيق اعترف بالعملية، وأدلى بمعلومات حولها، وعندما تم تقديم نتائج التحقيق إلى المسؤولين، وبعد التأكد من مدى صدقيتها، وإمكان أن تكون فعلاً صحيحة، تم رفع الأمر إلى القيادة السعودية، وعلى إثرها تم اتخاذ القرار بضرورة تقديم هذه المعلومات إلى السلطات الأميركية، تجنباً لوقوع عملٍ إرهابي يودي بحياة أبرياء.

إذن، سعد الجبري هنا، هو مجرد "موظف يقوم بما يطلب منه، والتعليمات تأتيه من القيادة بأن يبلغ هذه المعلومة أو تلك، وبالتالي لا فضل له في ذلك".
حسناً، لمن يعود الفضل في إنقاذ حياة المواطنين الأميركيين؟

يقول المصدر المطلعُ "الفضل لضباط التحقيق الذين استطاعوا الحصول على المعلومات، والقيادة السياسية التي إرتأت أن يتم تبليغ الجهات المعنية الخارجية بها".

الأميركيون لم يكونوا وحدهم من تم تزويدهم بالمعلومات، البريطانيون أيضاً تم إخبارهم، و"ربما هنالك بعض الجهات الأخرى"، وهو ما ساعد على اكتشاف العملية وإحباطها قبل وقوعها.

وفق ذلك، كان سعد الجبري مجرد "ساعي بريد"، نقل معلومة لم يكن له دور في الكشف عنها، وإنما هنالك "منظومة عمل متكاملة"، تبدأ بـ"المحققين" و"ضابط المختبر" وصولاً الى القيادة السياسية السعودية التي اتخذت القرار وأرسلت لأصدقائها وحلفائها بما توفر لديها من معلومات رأت ضرورة مشاركتها.
إذا كان الأمر كذلك، لماذا تم نسبُ الفضل لسعد الجبري وحده؟

هناك ما يشبه الكسل لدى بعض السياسيين والإعلاميين، فهم يقفون عند السطح وحسب، ولا يذهبون إلى توجيه السؤال الأهم الذي يعقب الإجابة أو الرواية التي قدمها الجبري. والمتابع لملف القضية، يجد "تسييساً" في الرواية التي تسردها جهات أجنبية عدة، بغية تحقيق أهداف معدة سلفاً، بغض النظر عن الحقيقة!

إذا كان المستشار الأمني السابق في وزارة الداخلية السعودية سعد الجبري، يدعي أنه صاحب الفضل في ما قام به من أدوار أمنية واستخبارية، فهل كان هو من يقوم بالرصد، والتحقيق، والاستجواب، وتجميع المعلومات وتحليلها، ومن ثم ربطها منطقياً مع ما يتوافر لديه من معلومات أخرى ترد من أجهزة مختلفة، ليقوم تالياً بإخبار أجهزة الأمن الاميركية أو البريطانية بها... هل كان هو من يقوم بكل ذلك؟

العارفون بآلية أداء أجهزة الأمن والاستخبارات، يدركون أن هناك "منظومة عمل متكاملة" أساسها "العمل الجماعي" والتكامل بين الأقسام والأجهزة المختلفة، وأنه حتى في أجهزة مثل FBI و CIA و M16 وKGB.. كل هذه الأجهزة مهما بلغت قوة أفرادها، وخبراتهم، وتدريبهم، وعلاقاتهم، ومصادرهم، إلا أن أي فرد لا يمكنه أن يقوم بالعمل وحيداً، وأن يتحول إلى "بطلٍ خارق"، فهنالك قوانين وقواعد وشبكة تنتظم فيها الأدوار؛ ولذا، وضمن القصة التي روى نزراً يسيراً منها النائب الأسبق لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية مايكل موريل، فإن سعد الجبري لم يكن له إلا "الدور الأقل"، وكان بمقدور أي شخص آخر أن ترسله القيادة السعودية ليبلغ الرسالة التي يحملها.

إن ما يقوم به الجبري حالياً، هو محاولة إعطاء نفسه قيمة سياسية واستخبارية، ليحرف الأنظار عن القضايا المالية التي وجهت اليه التهمُ حولها، وهي تتعلق بمئات ملايين الريالات السعودية، كان اختلسها واستفاد منها بطريقة غير مشروعة إبان عمله في الحكومة، ما أدى إلى هذا الإثراء الفاحش!

هناك سؤال بسيط، يمكن للزملاء الإعلاميين في القنوات الأميركية أن يوجهوه للسيد الجبري، وهو: من أين لك هذا؟ وهل بالفعل بإمكان شخصية عملت في الحكومة أن تثري وتكون ممتلكاتها بالمليارات بهذه السرعة؟ هل بإمكان "العطايا والهبات" أن تثري شخصاً واحداً بهذه الطريقة الأسطورية؟

هذه أسئلة بسيطة جداً، تقود بشكل واضح إلى المشكلة الحقيقية، وهي أن سعد الجبري متورط مالياً، وهو الآن لديه عدة محاكمات في أميركا وكندا، جميعها تتمحور حول قضايا اختلاس مالي، وليست سياسية.

الجبري سعى في المحاكم إلى تحويل الأنظار والإعلام إلى كون المحاكمة "سياسية"، إلا أن القضاة رفضوا، حتى أن أحدهم قال له ما معناه "وفر علينا قصص الأكشن، وخلينا في التهم المطروحة".

صحيفة "الفايننشال تايمز" البريطانية، ووفق تقرير سابق نشرته، أشارت إلى أن "10 شركات مملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، وصندوق الثروة السيادية الذي يرأسه ولي العهد السعودي أقامت دعوى مدنية في كندا تتهم فيها المسؤول السابق في وزارة الداخلية بتدبير عملية احتيال تصل قيمتها إلى 3.5 مليارات دولار، باستخدام شركات مزيفة أُنشئت قبل أكثر من عقد من الزمن كغطاء لعمليات مكافحة الإرهاب السرية في المملكة العربية السعودية".

هذه الأموال الضخمة معظمها حصل عليها الجبري بعد توليه المناصب الرئيسية في الحكومة، كما أن أكثر من مئتي مليون دولار حوّلها الجبري بعد أن ترك المنصب.

من إحدى طرائق احتياله، كان الجبري يشتري أرضاً - على سبيل المثال - ويعيد بيعها الى الحكومة، أي الى نفسه!

وفق شخصية متابعة للملف، فإنه "حتى أبناء الجبري لم يحاكموا على الأموال التي أودعها الأب باسمهم عندما كانوا قُصراً، وإنما حوكموا فقط بما يخص التحويلات وغسيل الأموال بعد بلوغهم السن القانونية"، من دون أن ننسى أن "نصف المتهمين معه هم من أقاربه، والمتورطين في تحويلات مالية ومشتريات عقارية في أنحاء مختلفة من العالم".

الخطير في الموضوع أيضاً، هو ما أشارت إليه بعض المصادر، من أن سعد الجبري كان واحداً من "أكثر المتحمسين والمسوقين للفكر الأصولي المتطرف"، ولذا سعى الجبري في لقائه مع برنامج "60 دقيقة" على قناة CBS الأميركية، إلى التركيز على "التهم السياسية" وهي "محاولة لتلميع صورته"، وأيضاً "للتخلص من الأحكام القضائية المقبلة ضده في قضايا الاختلاس الواضحة، والتي صدّقت عليها ضده شركات محاسبية أميركية وبريطانية كبرى"، ولذلك قررت محكمة أونتاريو في كندا "تجميداً عالمياً لأصول رجل الاستخبارات السعودي السابق سعد الجبري، ورفضت طلباً لنقض الحكم"، وفق ما نقلته وكالة "سبوتنيك".

إذاً، هناك شخصية كانت في مركز حكومي – أمني، هام؛ وهي اليوم متهمة باختلاس أموال طائلة، هي حق للشعب السعودي، الذي لن يقف في صف سعد الجبري الذي يعيش حياة من البذخ والرفاهية؛ بل من المنطقي أن يطالب السعوديون بمحاكمة الجبري، وأن تسترد الأموال إلى خزانة الدولة، لأن أي شخصية "متورطة في الفساد" أياً كان منصبها يجب أن لا تستثنى، ومن الضروري أن يكون القانون حاكماً على الجميع، فكيف إذا كانت الشخصية اختلست، وتورطت في الإخلال بالأمن، وأيضاً ساندت الفكر المتطرف، الأمر الذي أدى لحدوث مشكلات طائفية وأمنية داخل السعودية، وتلك "الفتنوية"، كانت اللعبة المفضلة للجبري وفريقه!

نقلا عن النهار

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.