.
.
.
.

«سوبرمان مثلى».. و«الحرية فى الحجاب»!

ياسر عبد العزيز

نشر في: آخر تحديث:

الدفاع عن حرية الاعتقاد والضمير، والتوجهات والميول، واختيار أنماط السلوك الاجتماعى المناسبة، مسألة ضرورية وجوهرية من جانب معايير حقوق الإنسان، طالما أن ذلك لا ينال من حقوق الآخرين، ولا يمس بأمن المجتمع ومصالحه العامة .

وفى الوقت نفسه، فإن مكافحة ممارسات التمييز والتنمر والاستهداف القائمة على الحط من شأن فئات اجتماعية بعينها، بسبب آرائها أو معتقداتها الدينية، أو طريقة تفاعلها فى المجال العام، ضرورة وواجب لا ينبغى التخلى عنه فى كل الأوقات .

لكن الإشكال يقع فى مرات عديدة حين تتم مصادرة حقوق الأطراف فى التعبير عن نفسها بارتداء أزياء معينة، أو تبنى أنماط سلوك بذاتها، بدواع غير منطقية أو غير مسوغة. ومن جانب آخر قد يحدث الإشكال حين تتم مساندة هؤلاء المُصادرة حقوقهم عبر الترويج لما يفعلونه والإلحاح عليه، بحيث يتصور الجميع أن ما يفعلونه هو الصواب والأفضل والمُحبذ .

ولتقريب المسألة، فإن اضطهاد الناس لأنهم من ذوى البشرة السوداء مثلاً جريمة، والتمييز ضدهم على هذا الأساس انتهاك واضح لحقوق الإنسان، ودعمهم ومناصرتهم للحصول على حقهم فى الكرامة والتعامل على قدم المساواة مع نظرائهم من الأعراق الأخرى واجب، لكن الإفراط فى تلك المناصرة بشكل يضع أصحاب البشرة السوداء فى موقع أعلى مما عداهم، أو تحريض الناس على أن يدّعوا انتماءهم لهذا العرق إمعانا فى نصرة أبنائه، هو عمل غير منطقى ولا يتسق مع مفاهيم حقوق الإنسان .

فى الأسبوع الماضى اضطر المجلس الأوروبى- وهو هيئة سياسية تتلقى تمويلا من الاتحاد الأوروبى، وتهدف إلى ترقية الديمقراطية وحقوق الإنسان- إلى سحب إعلانات على مواقع «التواصل الاجتماعى» تشجع على احترام حق المرأة المسلمة فى ارتداء الحجاب، بعدما شنت أطراف سياسية فرنسية حملة على هذه الإعلانات متهمة إياها بـ«التشجيع على ارتداء الحجاب ».

نحن نعرف أن اتجاها يمينيا يتصاعد فى فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية مستهدفا الإسلام والمسلمين، وأن جزءا من هذا الاستهداف يركز على النقاب والحجاب، حتى إن دولا أوروبية عديدة أصدرت قوانين وقرارات بحق ارتداء هذه الأزياء، سواء بداعى حماية القيم الوطنية أو صيانة المصالح الأمنية .

لكن حملة مضادة لذلك النزوع اليمينى تعمل على دفع هذه الأضرار، وهى حملة لا تقوم بها جماعات من المسلمين فقط، إذ تتلقى مساندة من بعض اليسار والليبراليين ومنظمات المجتمع المدنى، وفى هذا الصدد، جاءت تلك الإعلانات التى استهدفت مساندة المحجبات فى فرنسا التى تشهد صعودا لافتا لظاهرة «الإسلاموفوبيا»، فى أعقاب سلسلة من الهجمات الإرهابية التى ضربت البلاد .

وبين تلك الإعلانات التى لاقت انتقادات من سياسيين فرنسيين إعلان يقول «عندما تكون الحرية فى الحجاب»، بينما أظهر إعلان آخر صورة امرأة فرنسية يرتدى نصفها الحجاب ونصفها الآخر لا يرتديه، وهما إعلانان رفضهما المعارضون، باعتبار أن «الحرية ليست فى الحجاب»، وأنهما يشجعان النساء على ارتداء هذا الزى .

شىء مثل هذا حدث فى الشهر الماضى، حين أظهر إعلان الشركة المنتجة لحلقات «سوبرمان» أن بطل هذه الشخصية الأسطورية الجديد سيظهر فى سلسلة حلقات مقبلة فى شخصية «مثلى»، حيث يرتبط عاطفيا بشاب وليس شابة، وهو الأمر الذى أثار انتقادات عديدة .

نحن نعرف أيضا أن ثمة تمييزا يحدث فى الشرق والغرب ضد «أصحاب الميول المثلية»، ويمكن أن نتفهم ضرورة القيام بأدوار لحمايتهم من الاضطهاد، وإبقائهم بعيدا عن الاستهداف، لكن ما يصعب أن نتفهمه حقا أن تنقلب حملات الدعم والمناصرة والحماية تلك إلى دعاية وترويج لـ«المثلية ».

فرق كبير بين أن ندعم حق شخص ما فى اختلافه عن الآخرين، وفى تعبيره عن ذلك، وبين أن ندعم الممارسة نفسها، خصوصا إذا كانت تلك الممارسة تثير الجدل، ولا تحظى بقدر كاف من التوافق عليها .

نقلا عن المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.