.
.
.
.

المقاتل الشبح ... الإرهاب غير المرئي

منير أديب

نشر في: آخر تحديث:

ترى جماعات العنف والتطرف خصوصاً ذات الامتداد القاري أو عابرة الحدود، أن المقاتل الشبح هو عصب العمليات الإرهابية خلال الفترة المقبلة. هذه النظرية تعتمد في شكل أساسي على الذئاب المنفردة والمتفرّدة، النشطة منها والخاملة، وهو ما يعكس واقع هذه التنظيمات في طريقة تعاطيها مع الحكومات والجيوش والأنظمة السياسية.

تُدرك التنظيمات المتطرفة التي تمارس إرهاباً يتعدى الحدود أنها لن تستطيع أن تجاري الجيوش العسكرية ولن تتمكن من مواجهتها، ولذلك اختارت لنفسها طرقاً تبدو بديعة وذات تأثير في المواجهة، بعد أن بدأ المجتمع الدولي يأخذ خطوات جادة في مواجهة هذه التنظيمات، والتي تحاول أن تتكيف مع الواقع حتى تستمر فترةً أطول.

نظرية التنظيمات المتطرفة الجديدة في حرب الأشباح لم تكن غائبة عن سياسة هذه التنظيمات وبعض التنظيمات المحلية والإقليمية خلال الفترة الماضية، فقديماً كانت تعتمد هذه السياسة لسببين أولهما، ضعف القدرات والإمكانات البشرية والمادية لهذه التنظيمات، وثانيهما عدم قدرة هذه التنظيمات على الآلة العسكرية التي تمتلكها جيوش دول المواجهة، وهو ما يدفعها لاعتماد الطرق البدائية قي تنفيذ مخططاتها، فضلاً عن أن الكثير من التنظيمات الإقليمية أو المحلية تعتمد على اللامركزية، وهنا يبدو تكوينها في شكل خلايا، مؤهلة للعمل في شكل العصابات، فهي أميل للإغارة لا للاشتباك.

نظرية المقاتل الشبح التي بدأت تعتمدها تنظيمات العنف والتطرف، تعبّر عن استراتيجية هذه التنظيمات الجديدة التي إرتأينا ضرورة الكتابة عنها، حتى نفهم عقلها بعد أن نحلله وحتى نتمكن من مواجهته بعد ذلك.

بدأت تعتمد التنظيمات المتطرفة فكرة المقاتل الشبح، والتي تقوم على المواجهة الوحيدة والفريدة للعدو، خصوصاً إذا كانت قدرات التنظيم العسكرية متواضعة، حيث يمكن للإرهابي أن يعتمد على نفسه من دون الحاجة إلى التنظيم ولا لقدراته ولا لدعم القيادة المركزية له، وهنا تستطيع القيادة المركزية للتنظيم في الوقت نفسه توجيه مئات الألوف على مستوى العالم وقاراته عبر القتال على طريقة المقاتل الشبح، فضلاً عن تصدر هذه التنظيمات للمشهد في أكثر من دولة على خط التنظيم نفسه الذي ينتمي إليه، كما أنك تستطيع أن تواجه سلطات بلادك بأقل الأعباء والامكانات المادية، بل قد تكون مقاتلاً شرساً وشبحاً في الوقت نفسه.

تُطلق تنظيمات العنف والتطرف على حرب الأشباح، حرب العصابات أيضاً، حيث تقوم مجموعات صغيرة بالقتال ضد تشكيلات نظامية كبيرة، ما يؤدي إلى إرهاقها عسكرياً، فغالباً لا تكون الجيوش أو التشكيلات الكبيرة غير مؤهلة لهذا النوع من المواجهة ولا تجيد التعامل مع المجموعات المقاتلة الصغيرة، وغالباً ما تفشل التشكيلات النظامية في أي مواجهة من هذا النوع.

هذا النوع من الحرب يُسمى أيضاً بحرب البرغوث والكلب، حيث يكون البرغوث قادراً رغم صغره على إيلام الكلب، وقد يسبب له جروحاً، ولا يستطيع الكلب أن يتعامل مع هذا البرغوث الصغير، وقد لا يراه في الأساس؛ يظل الكلب يحك جلده من دون أن يرى مصدر هذا الحك كما لا يستطيع التعامل معه. هكذا تفكر المجموعات المقاتلة الصغيرة للتنظيمات المتطرفة ... تستطيع أن تختبئ من دون أن يصل إليها أحد، وعندما تنفذ عملاً مسلحاً يصعب على أجهزة الأمن التعرف إليها بمنطق البرغوث!

يُطلق على حرب الأشباح والعصابات حرب الاستنزاف وفق أدبيات التنظيمات المتطرفة، فهناك طرفان أحدهما كبير ولكنه غير قوي، كما تعتقد، وآخر صغير وغير مرئي، كما تعتقد أيضاً، ولكنه قوي وقادر على استنزاف الطرف الآخر وهزيمته، وهو شكل من أشكال القتال بين المجموعات المسلحة والقوات النظامية. هذه الطريقة فشلت لأنها اعتمدت على معطى غائب، حيث افترضت المجموعات في نفسها أنها غير مرئية، وهو غير واقعي، كما افترضت في الدولة النظامية أنها قوة ضعيفة.

قد تكون حرب الأشباح والعصابات مجدية بهذه الطريقة نفسها إذا كانت ضد محتل أجنبي فقط وليست ضد دولة وجيش نظامي، في أسلوب عسكري يلجأ إليه الطرف الأضعف للتغلّب على القوي عندما يجد أن المواجهة النظامية ليست في مصلحته.
تتميز حرب العصابات بطابعها الفجائي لاستنزاف العدو وتكبيده خسائر فادحة بجهد قليل. هذا النوع من الحرب هدفه تخريب المنشآت والبنايات الحيوية تمهيداً لإيقاف الحياة، كما أن حرب الأشباح التي تخوضها جماعات العنف والتطرف عقائدية وسياسية وأيديولوجية بخلاف أشكال الحرب النظامية أو حتى حرب المرتزقة. فالنوع الأخير دافعه مادي.

ألهمت حرب العصابات منظري العسكرية النظامية ضرورة تشكيل القوات الخاصة، إذ توكل إليها مهمات محددة في عمق أراضي العدو وتتحرك في مجموعات صغيرة لإصابة أهداف محددة في نظامها الزماني والمكاني ... وهنا يمكن أن نُلمح إلى أوجه الشبه بين حرب العصابات والعمليات الخاصة في أن هدف كل منهما ليس تحقيق مكسب ميداني أو عسكري حاسم، وإنما تكبيد العدو خسائر أو التمهيد لعملية عسكرية كبيرة عبر تلك العمليات النوعية التي قد يكون هدفها تخريب بنايات أو قطع خطوط إمداد.

حرب الأشباح بمثابة خطة جماعات العنف والتطرف لهدم الدول وإثارة الفوضى التي تعتقد هذه التنظيمات أنها مقدمة للسيطرة في ما بعد. أغلب من يخوضون هذه الحرب يؤمنون بأفكار عقائدية ضمن تنظيمات دينية، ويتجنبون المواجهة المباشرة التي قد تستنزفهم أصلاً، فضلاً عن أن هذا النوع من الحرب قائم على تعبئة وتأييد الشعب.

رغم أن استراتيجية حرب الأشباح للتنظيمات المتطرفة دفاعية في الأساس، فإن تكتيك هذه الحرب هو تعرضي "هجومي"، وعلى الرغم أيضاً من اختلال ميزان القوى ضد مصلحة العصابات على المستوى الاستراتيجي، فإنها تسعى إلى تأمين التفوق على المستوى التعبوي "التكتيكي"، وتطبق "العصابات" أساليب هجومية كالغارات والدوريات والمكامن وحرب الألغام والمتفجرات وقصف المواقع الحساسة بوحدات قصف متحركة (هاونات ومدفعية خفيفة وقاذفات صواريخ) ومهاجمة المناطق المنعزلة وأرتال العدو والتصدي للطائرات المقاتلة.
هذه الأساليب وغيرها من الوسائل المتطورة التي قد تكون فاعلة ومؤثرة وتعمل على استنزاف جهد الخصم، بشرياً ومادياً ومعنوياً، وهي بمثابة إبداع في الوسائل والأساليب، وهي طريقة للمباغتة وإرباك العدو، ووفق المعادلة المعروفة التي يستخدمها وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق هنري كيسنجر "يكفي للأنصار والمقاومين أن لا يخسروا حتى يربحوا"، وهو ما تقوم عليه نظرية حرب الأشباح.

ومما سبق، فإن حرب العصابات هي شكل من أشكال استخدام العنف أو المواجهة المسلحة للجيوش النظامية والدول، وآخر ما توصلت إليه التنظيمات المتطرفة بحيث تواجه بأقل الإمكانات والخسائر معاً.
يعتمد رجال الأشباح في التنظيمات المتطرفة على التخطيط والتكتيك عبر السلاح المتوافر لتحقيق التوازن والتفوق على الجيوش النظامية، بخاصة أنهم يجدون تحدياً في التسليح ونوعيته، فهم يُواجَهون من جيوش تمتلك أسلحة ومعدات ثقيلة لا تستطيع جماعات العنف مواجهتها مثل الدبابات والطائرات على سبيل المثال.
لا يمكن للمقاتل الشبح أو من انخرطوا في حرب العصابات مع تنظيمات العنف والتطرف أن يمارسوا العمليات الإرهابية، سواء كان قتلاً أو تفجيراً من دون خطة أخرى للتخفي والتمويه تعتمد على الذوبان حتى الوصول إلى الهدف وإصابته ثم العودة من دون أي خسارة.

وهنا يجب الانتباه إلى حِيل هؤلاء المتطرفين في التخفي حيث يأخذ الإرهابي تدابير معينة بهدف تضليل خصمه للحيلولة دون كشفه أو الوصـول لمعلومات عنه أو منه، وهذه التدابير إما أن تكون لفظية أو جسدية أو الاثنتين معاً، وللتخفي داخل تنظيمات العنف والتطرف وفق نظرية "المقاتل الشبح" أساليب عديدة منها، اعتماد اسم جديد للإرهاب وتاريخ ولادة وسكن جديدين، مع تغيير المظهر الخارجي لهذا الإرهابي كل مدة، ولهذا التغيير طُرق وأمور كثيرة تبدأ بإطالة اللحية أو حلقها، وكذلك حلق شعر الرأس، واستخدام ماكياجات خاصة لتغيير ملامح الوجه بطريقة تكون بسيطة غير معقدة كتغيير شكل الحاجبين وهو كفيل بتغيير ملامح الوجه بأكمله.

من التدابير التي يأخذها المقاتل الشبح هو تنويع التخفي الجسدي كل مدة للأخذ بالحسبان أن خصمه قد يحصل على اعترافات سجناء وقعوا في قبضة أجهزة الأمن حول طبيعة تحركاته أو من خلال اختراقات أخرى بمعرفة أجهزة الأمن والمعلومات... تغيير النمط الروتيني للحركة أو السكون وحتى الأسلوب النمطي في السير أو الحديث. هكذا ترمي نظرية المقاتل الشبح.

التخفي والتمويه أبرز ما يميز المقاتل الشبح، يعتاد عليه الإرهابي ويجعله حالة لا يمكن الاستغناء عنها، وما يساعده في الأمر أنه عرضه للقتل أو الاغتيال ليس بسبب ذكاء خصمه إنما بسبب استهتاره مما ينتج منه السقوط السريع، إذا لم يعتمد نظرية القتل الجديدة لهذه التنظيمات.

ما نود قولة هو إننا كلما كنّا قادرين على فهم تنظيمات العنف والتطرف والوقوف على آخر ما تنتجه هذه التنظيمات كلما كنّا أقدر على مواجهتها، وهنا نسبق هذه التنظيمات بخطوات في التعرف إلى عقل هؤلاء الإرهابيين وتشريحه بما يتيح لنا مواجهة قائمة على الفهم، وهذا غرض عرض نظرية المقاتل الشبح كآخر ما أنتجته تنظيمات العنف والتطرف والتمرد.

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.