.
.
.
.

متلازمة هافانا وحروب العالم السري

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

مرة جديدة تخيم على الأجواء الدولية مناخات ضبابية، مناخات شبيهة بما جرت به المقادير في زمن الحرب الباردة، مع فارق واحد ، وهو توافر أدوات وإمكانيات لم تكن قائمة في ذلك الزمان ، وبخاصة في العوالم الخفية والسرية، عوالم الاستخبارات والصراعات التحتية، حيث الرجال الأشباح والقصص غير المرئية.

إحدى أهم وأخطر الحوادث التي باتت تشكل لغزا في الأشهر الأخيرة وما من أحد قادر على فك طلاسمها ، متلازمة هافانا التي كثر الحديث عنها وسميت باسم العاصمة الكوبية بسبب تعرض دبلوماسيين أمريكيين أول الأمر هناك لأعراض غريبة للغاية.

تبدأ بدوار ثم اضطراب في الأعصاب، فيما بعض الضحايا يفقدون القدرة على الحركة بشكل سليم، أو الحديث بطريقة واضحة، وصولا إلى ارتباك في عمل خلايا المخ والأعصاب ، مع الأخذ في عين الاعتبار أن هذا ما تم التصريح بشأنه، ما يعني أنه ربما تكون هناك أعراض أخرى أكثر خطورة لم يتم الإعلان عنها حتى الساعة من الجانب الأميركي.
لم تقتصر حالات متلازمة هافانا على العاصمة التي ظلت طويلا مناوئة للولايات المتحدة الأميركية، والتي كادت أن تتسبب في حرب عالمية في ستينات القرن المنصرم، من جراء الصواريخ حاملة الرؤوس النووية التي سعى السوفيت لإقامتها بالقرب من الولايات المتحدة، فقد ظهرت حالات مشابهة لمسؤولين استخباريين ودبلوماسيين أميركيين في العاصمة النمساوية فيينا، وغالب الأمر أن المشهد تكرر في عدد من دول أوربا الغربية وإن لم يعلن عن ذلك بوضوح تام.

الطامة الكبرى بالنسبة للجانب الأمريكي هي أن هناك حالات مشابهة بالتمام والكمال لهذه الظاهرة المحيرة والمقلقة ، بل التي تصيب رجالات الأمن القومي الأمريكي في مقتل، قد ظهرت داخل البيت الأبيض نفسه وفي القلب من واشنطن، ما يعني أن قلعة الحكم الأمريكية صارت مخترقة من جهة ما، لا يعرف أحد من هي ولا إلى ماذا تهدف.
حتى الساعة يبدو الهدف الأكبر لمن يقف وراء متلازمة هافانا متمثلا في أفراد الاستخبارات المركزية الأمريكية حول العالم، ولهذا قامت الوكالة بإجلاء عدد من الضباط التابعين لها في عدد من الدول الأوربية تم الإعلان عن بعضهم والذين يعملون في صربيا، والبعض الآخر لا تزال بياناتهم غير معروفة، بعد أن اصيبوا بأعراض خطيرة تتفق مع الهجمات العصبية التي تدور الأزمة في فلكها ، والعهدة هنا على الراوي، صحيفة "وول ستريت جورنال ".

الحادث الذي وقع في البلقان، والذي لم يتم الإبلاغ عنه من قبل، هو الأحدث فيما وصفه المسؤولون بأنه توسع مطرد في الهجمات على الجواسيس والدبلوماسيين الأمريكيين المنتشرين في الخارج من قبل مهاجمين باستخدام ما يشتبه مسؤولون حكوميون وعلماء بأنه شكل من أشكال الطاقة الموجهة تتسبب بظهور تلك الأعراض.
هل حالات متلازمة هافانا حديثة العهد وتعود إلى بضعة أشهر خلت فقط، أم أن النشر الخاص بتلك المعلومات لم يصل إلى وسائل الإعلام إلا قبل هذه الفترة الوجيزة فقط؟

شيء ما يجعل الأمر أشبه بلغز ملفوف في أحجية وضمن سر ملقى في بئر عميق ، لا سيما وأن الحالات بدأت منذ العام 2016 ، حيث أبلغ ما يقرب من 200 مسؤول عن أعراض مرض غامض ، شملت طنينا حادا وضغطا في الأذنين ، وكذلك فقدانا للسمع والتوازن ، والتعب والصداع، فيما عانى البعض من تلف طويل في الدماغ .
يتساءل المرء أليس 2016 هو عام الانتخابات الأمريكية التي تواجه فيها دونالد ترامب مع هيلاري كلينتون ، وقد شاعت وذاعت وقتها أنباء عن تدخلات الاستخبارات الروسية في سير العملية الانتخابية، لصالح ترامب، وبهدف إسقاط هيلاري ؟

التساؤل دار مؤخرا في أذهان كثير من المسؤولين الأمريكيين، والذين لديهم شبه هاجس بأن الضحايا قد تعرضوا إلى نوع معين من أنواع الطاقة العالية الخطورة والتي لا تعرف طريقها سوى دولة عظمى مثل روسيا، حتى الصين يشك في أنها تمتلك إمكانيات من هذا النوع والروس يعرف عنهم تميزهم في النواحي الفيزيائية بشكل يفوق الجانب الأمريكي.

ما يجري أمر جلل وخطير، لا سيما أنه وبحسب تصريحات البروفسور ، جيمس جيوردانو ، أستاذ علم الأعصاب ، والذي يقدم المشورة للحكومة الأمريكية ، قد أصيب خلال 60 إلى 90 يوما الماضية، عدد كبير من الحالات على الأراضي الأمريكية وعلى مستوى العالم ، الأمر الذي أدى إلى تفشي الإحباط داخل الحكومة الأمريكية، وأستنزف الروح المعنوية في وزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية.

ولعل التساؤل الرئيس في مثل تلك القضايا والمرتبط بعلم الجريمة هو :" من الجاني أو من المستفيد ؟.
يفهم المرء أنه في حال العملاء الاستخباريين الذين تسببوا في إلحاق الأذى بدول أخرى أو اجهزة مقابلة ، يتم التخلص منهم مرة وإلى الأبد، لكن أن يتم تشويه عناصر بعضها دبلوماسي وليس كلها أفراد أجهزة سرية فهذا غريب للغاية ، كما أنه يمكن بل ومن الطبيعي أن يحدث خارج الأراضي الأمريكية ، لكن أن تجري به المقادير داخل الولايات المتحدة فهنا يزداد اللغز غموضا وحيرة .

في الخامس من نوفمبر تشرين الثاني الجاري ، عين وزير الخارجية الأمريكي ، أنتوني بلينكن، النائب الأول جوناثان مور، لقيادة فرقة عمل تابعة للوزارة، خاصة بالتحقيق بشأن متلازمة هافانا الغامضة، التي أصابت دبلوماسيين أمريكيين.
يرى بلينكن أنه من المهم معرفة من يقف وراء ظهور هذه الحالات، لوقف حدوثها، كما أن وزارته تركز على الوصول إلى جميع الحقائق بشأن هوية المسؤول عن تلك الظاهرة الغريبة والمخيفة، وقد جاء إعلان بلينكن، وسط انتقادات من أعضاء مجلس الشيوخ من الحزبين ، أكدوا فيها أن " إدارة بايدن لم تأخذ المرض على محمل الجد بما فيه الكفاية".

تبدو واشنطن اليوم قائمة على قدم وساق، وأجهزة استخباراتها تجري تحقيقا واسع النطاق في الأسباب المحتملة للحالة غير المسبوقة التي تواجهها الدولة المنفردة بمقدرات علمية لا يضاهيها أحد. تبقى جزئية تحليلية واحدة ينبغي النظر فيها بعناية، وهي هل هناك من يهدف إلى تعميق حالة انعدام الثقة في القيادة الأمريكية لتظهر أمام الشعب بأنها قاصرة أو عاجزة عن حمايته؟.

عام 2016 بدأ هذا الشرخ، والآن يبدو أن هناك قنبلة جديدة سوف تنفجر عما قريب وعلى مقربة من انتخابات التجديد النصفي للكونجرس ، وفي ظل أحاديث عن عدم مقدرة واضح من الرئيس بايدن على إكمال مهمته ، وتوقعات بقيام نائبته كمالا هاريس بإكمال مدته، ما يفيد بسيطرة الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي، الذي يتلاعب بمقدراته الرئيس السابق باراك أوباما بشدة.

وفي كل الأحوال تبدو متلازمة هافانا فخ جديد للنسيج المجتمعي الأمريكي بأكثر منها قضية جاسوسية روسية أو صينية .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.