.
.
.
.

مرجعية ما بعد إلغاء قانون الطوارئ

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

خلال الأسبوعين الأخيرين ذاع فى محافل متعددة السؤال عما إذا كان قرار الرئيس السيسى بوقف التجديد الدورى لقانون الطوارئ خطوة وحيدة على مسار التطوير السياسى للنظام المصرى، أو أنه خطوة على طريق تتبع فيه خطوات كثيرة قادمة؟ ولعل السؤال الذى يجب أن يسبق هذا التساؤل هو: ما هى المرجعية الفكرية والسياسية التى يجب الرجوع إليها فى مثل هذا الشأن؟ وفى واحد من هذه المحافل وهو برنامج «المشهد» الذى يعده ويديره الأستاذان عمرو عبدالحميد ونشأت الديهى طرح الموضوع بين ثمانية من الخبراء وأصحاب الرأى وتعددت وجهات النظر من أول المضى قدما على مسار حقوق الانسان وفى المقدمة منها أوضاع «الحبس الاحتياطي» إلى تحقيق «الرضا العام» فى المجتمع. وبينما الأول يتعلق بتغييرات قانونية وإجرائية لها مرجعية حقوقية، فإن الثانى كان مفهوما سياسيا نقيا يرتبط بواقع الحال الحزبى فى البلاد. وما بين هذا وذاك كانت هناك آراء وتوصيات متعددة تعلق بعضها بتفعيل مواد الدستور الخاصة بالإدارة المحلية (من المادة الـ ١٧٥ حتى المادة الـ ١٨٣) وخاصة المادة الـ ١٧٦ التى تدعو إلى دعم اللامركزية الإدارية والمالية والاقتصادية، ووضع قانون يحقق «التمكين» لوحدات الإدارة المحلية. كما كان هناك دعوة إلى تفعيل المادة الـ ٢٤٨ التى تعطى مجلس الشيوخ اختصاص «دراسة واقتراح ما يراه كفيلا بتوسيد دعائم الديمقراطية، ودعم السلام الاجتماعى والمقومات الأساسية للمجتمع وقيمه العليا والحقوق والحريات والواجبات العامة، وتعميق النظام الديمقراطى، وتوسيع مجالاته».

وفى هذه الحالة والحالات الأخرى من الحوار كانت هناك مرجعيتان للحديث: الأولى شائعة وهى المرجعية الديمقراطية الليبرالية الشائعة فى الدول الغربية الصناعية المتقدمة والتى كانت دائما معتقدا أنها هى التى سادت فى مصر خلال الفترة الملكية (١٩٢٢-١٩٥٢) أو أنها فى العصر الحالى قرينة ربط النظام السياسى الديمقراطى بالنظام الرأسمالى، وكليهما معا بالتقدم العام والحداثة فى المجتمع. الثانية مرجعية تتعلق بمدى فاعلية المجتمع والدولة، وتتوقف فعاليته فى قدرته على النمو المستقر والمستدام بحيث يكون قادرا على المنافسة العالمية مع تحقيق التقدم فى نفس الوقت. النموذج الشائع فى هذه المرجعية هو الذى طبقته الصين حيث الانضباط الاستراتيجى والتعامل مع قضايا «وجودية» مثل هونج كونج وماكاو والآن تايوان بحكمة كبيرة؛ ثم التركيز الكبير على البناء الداخلى فى جميع المجالات من الزراعة إلى الصناعة إلى التكنولوجيا. هذا النموذج والمرجعية لا يحصل لا عالميا ولا محليا فى مصر على ما يستحقه من تقدير، رغم أنه تاريخيا كان الأكثر فعالية فى تخريج أكثر من مليار نسمة من الفقر إلى الستر والغنى خلال فترة لا تزيد على أربعة عقود. الآن وقد أصبحت الصين هى القوة العظمى الثانية فى العالم، وهى التى يمتد نفوذها فى الكوكب ليس من خلال الوجود العسكرى لأساطيل وأسلحة نووية، وإنما من خلال التجارة وسلاسل التوريد، والصناعات المعقولة السعر والأكثر جودة، ومؤخرا من خلال نظام رأسمالى مدجج بالتكنولوجيات الحديثة.

المعضلة الجارية فى العالم أن المرجعيتين الآن توضعان فى مرتبة الأضداد وذلك نتيجة الصياغة الغربية لهما حيث توضع المرجعيتان وكأنهما مواجهة بين الديمقراطية والاستبداد، والحرية والديكتاتورية، وحكم الشعب والأوتوقراطية، وتكافؤ الفرص والأوليجاركية. فى مثل هذه الثنائيات فإن المرجعية الثانية تخسر دائما على أساس أنها تقع فى الجانب الذى تجاوزه التاريخ العالمى سياسيا وأخلاقيا. ولكن الحقيقة هى أننا أمام تنوع فى التجربة العالمية يؤكد أن تطورات الدول تختلف وتتنوع حسب عوامل وعناصر كثيرة يصعب حصرها. وعندما انهارت الشيوعية فى الاتحاد السوفيتى دلالة على فشل النموذج فإن الدول التى خرجت منها ذهب بعضها إلى الاتحاد الأوروبى مسلما بنموذجه، وبعضها الآخر فى روسيا أخذ سبيلا آخر ليس فيه حتى الآن صفات عالمية، ولكن الصين وفيتنام ودول أخرى أخذت سبيلا ثالثا يبدو فى جوهره قائما على مركزية السلطة والتكنوقراطية والجدارة فى إدارة مشروع وطنى متقدم. وسواء كانت المرجعية السائدة هى هذه أو تلك، فإن الثابت هو أنه لا يوجد نموذج مثالى يأخذ بيد الشعوب إلى جنة التقدم، ولا توجد تجربة يمكن لشعب ودولة أن تقتفى آثارها. وفى الحالة المصرية فإننا نخلق تجربتنا الخاصة، ليس بمعنى أننا نعيد اختراع العجلة، وإنما لأننا نريد أن نضع التركيبة المناسبة لنا والتى تزيد من فعالية النظام السياسى وقدرته على تنفيذ رؤية مصر ٢٠٣٠ وما بعدها.

وبالفعل فإنه فى المحفل المشار إليه أعلاه جرى التنويه بضرورة مراجعة «رؤية ٢٠٣٠» وتحديد ما تم تنفيذه منها وما بقى، وما أضيف لها وما هو متوقع ويجب إضافته بعد سنوات من وضعها موضع التطبيق. مثل ذلك سوف يجعلنا أكثر قدرة على تحديد الخطوات التالية لقرار وقف تجديد قانون الطوارئ الذى يحرر الكثير من الطاقات الوطنية، ويفتح طاقات أوسع وجديدة للمشاركة الوطنية لمن يريد المساهمة فى الداخل والخارج، ويفتح أبوابا أكثر للاستثمارات الخارجية مع العلم التام أن القصور فيها لم يكن راجعا فقط لوجود قانون الطوارئ. وساعتها فإنه يضع النظام الحزبى والمجتمع الأهلى فى مجال الاختبار والتقييم من حيث مبادراته وسعيه نحو التجديد التشريعى والسياسى دونما تحريض أو إثارة أو انقسام ذائع فى نظم مرجعيات أخري. مثل هذه النظرة الباحثة عن «الفاعلية» ربما تكون أكثر مناسبة لنا فى سياق تطورنا التاريخى بثوراته وجموده، وفى ظل أوضاع إقليمية مضطربة سادت فيها حروب أهلية نزفت بها دماء كثيرة، وعلى ضوء إرهاب استقر العالم على التعامل معه مثل «الكورونا» على أنه نوع من «المعتاد الجديد» الذى يحتاج الكثير من الحكمة واليقظة وعلى تجارب فيها نماذج كثيرة للأخذ والعطاء.

نقلا عن الأهرام

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.