.
.
.
.

الوعظ في الكافيه

خالد منتصر

نشر في: آخر تحديث:

أتمنى ألا تكون هناك نية لدى المؤسسة الدينية لعودة قوافل الوعاظ على المقاهى والشواطئ، التى كانت قد انتشرت منذ فترة بناء على قرار أعتقد أنه لم يُلغَ بعد وما زال موجوداً فى الأدراج ينتظر الخروج إلى النور مرة أخرى، ما جعلنى أتوقع أن هذا هو ما حدث على السوشيال ميديا من انتشار رهيب لصور الوعاظ على المقاهى، واستدعائها مرة أخرى، الصور قديمة لكن الرغبة ما زالت متجددة، لكنى سأناقش اليوم المبدأ لا التفاصيل، مبدأ الوعظ الديليفرى، وذهاب الواعظ إلى حيث مكانك، بيتك أو قهوتك أو مكان عملك أو شاطئ مصيفك أو ناديك الرياضى.. إلخ، هذا الكلام عن قوافل الوعاظ تزامن مع الجدل الحاد الدائر فى المجتمع حول قراءة القرآن والصلاة فى أماكن العمل، والتراشق الذى وصل إلى حد الشتائم بين طرف يقول: أنتم تريدون هدم الدين، وأى طقس دينى لن يعطل العمل بل سيطرح البركة. وطرف يقول: ليس القصد هو منع قراءة القرآن أو الصلاة ولكن منع تعطيل العمل أو الهروب منه بحجة أداء الطقوس الدينية.

الموضوعان مرتبطان وإن ظهر أنه لا علاقة بينهما، نحن مجتمع ما زالت الأمور لديه مختلطة ومتداخلة، ويفهم الفصل بين الأشياء ووضع الحدود، أو كما نقول بالعامية منع وضع أبو قرش على أبو قرشين... إلخ، يفهم المجتمع كل هذه الأشياء على أنها تقليص من حريته الدينية وحق الناس فى منع المنكر.

أولى بديهيات الحداثة هى أن الفضاء العام للجميع، من كل دين ومن كل جنس ومن كل لون وطبقة وعرق، ولذلك فممارسة كل متدين لطقوس دينه تكون فى مكانها وبدون ادعاء أنه يمنع المنكر وينشر الفضيلة، لأن مفهوم منع المنكر مطاط ومتسع، فالأشخاص الذين طعنوا شاباً كان يسير مع خطيبته فى السويس بسكين، كانوا مقتنعين بأنهم يمنعون المنكر، وستتسع الرؤية فيصبح منع السائح من شرب الخمر أو منع السائحة من ارتداء المايوه على الشاطئ ورفض إقامة الأعياد الدينية لأصحاب الديانات الأخرى منعاً للمنكر ونشراً للفضيلة، ستخضع لكل واحد ومزاجه وعاداته التى يعتبرها هى الدين، تنظيم كل هذه المسائل ليس كراهية دين على الإطلاق، ولكنه للحفاظ على نسيج ووحدة وطن.

لكل مقام مقال، ولكل حادث حديث، وكل شىء وله إطاره وطريقته، ذهاب الشيخ إلى المقهى واقتحام الحياة الخاصة للناس وطلب رجل الدين من الجالس فى المقهى أن يصمت لكى ينتبه إلى كلامه، سيتطور بالتدريج لمشادات وملاسنات، والموضوعات الدينية موضوعات جدلية بطبيعتها، ولو عدنا إلى التاريخ سنجد محاورات دينية بدأت بغرض الإقناع وانتهت بنزيف الدم وبتر الأطراف وجز الرؤوس، هل هناك أقوى من على بن أبى طالب فى قوة الحجة والبلاغة؟ ماذا فعل الخوارج معه حين كانت هناك حوارات جدلية بعد معركته مع معاوية؟ النهاية للأسف كانت فتنة وبحوراً من الدم.

قوافل الوعاظ على المقاهى وأكشاك الفتاوى فى المترو ومحاولات نفخ الروح فى ثقافة المطوع الذى يطارد الرذيلة فى الشوارع، هى استنزاف لمدنية وحداثة وحرية وطن يريد أن ينمو بعيداً عن التناحر الدينى تحت أى لافتة أو شعار، ودائماً الطريق إلى جهنم مفروش بالنيات الحسنة.

نقلا عن الوطن

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.