.
.
.
.

زوايا الفقه

عادل الكلباني

نشر في: آخر تحديث:

لم نثر الخلاف وإنما برزت للناس أقوال كانت مغمورة حين توسعت مصادر المعرفة وتيسرت، وداهمت المسلم في بيته وفي سيارته وفي عمله بل حتى وعلى فراش نومه، فالمعلومة في جيبه وفي يده في الهاتف وفي المحمول وفي الكمبيوتر، معلومات لا تتقيد بحدود ولا تمتثل لمنع وتحذير..

في الحديث «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها فرب حامل فقه لا فقه له ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه». هذا مورد نقي، يُستقى منه فضل الفقهاء، وفيه أيضًا نبراس مضيء ننظر من خلاله اتساع رقعة الفقه الإسلامي بحسب السامع والواقع، وهو الأمر الذي نريد توضيحه وهو أوضح، والإفصاح عنه وهو أفصح، غير أننا في زمن نأى فيه الناس عن الفقه وشرعوا في إخضاع الفقه لكثير من العادات، وضيقوا الواسع منه بحجة سد ذرائع وتوهم احتمالات!

ولا يخفى أن الفقه الإسلامي واحد المصدر - بمعني أن الدليل على المسائل الفقهية يرجع إلى الوحيين؛ الكتاب والسنة - ولم نُكلف بفهمٍ واحدٍ مشترك، بل كلف الله الإنسان كلًّا بوسعه وقدرة تأمله، وليس هناك أحد ليس بمكلف ولو بجزئية، غير أن الفقهاء لهم اليد الطولى في تيسير الفقه لعوام الناس، وهذا ما أرشدنا إليه ربنا بقوله: «فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ»، فانصراف كثير من الناس عن التفقه ليس زهدًا فيه، إنما هو طبقًا للآية الكريمة، وبهذا تصلح للمسلمين أمور دينهم ودنياهم، وما قول رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: أنتم أعلم بأمر دنياكم. إلا إشارة صريحة ترشدهم إلى تعلم علوم الدنيا التي بها تستقيم المعيشة، وقد فعل ذلك المسلمون وتعاقبت عليه الأجيال حتى بلغوا في القوة مبلغًا ليس هذا موضع بسطه، ومع كل تلك الحضارات كان الفقه في أتم عنفوانه.

وقد تفطن العلماء بميزة الخلاف الفقهي فضبطوا لها القواعد والأصول ليستطيع كل ذي فهم أن يسبح في بحار استنباطاتهم بمجاديف العقل المتفكر في المسألة، وتجمعت الناس «العوام» حول أولئك الأئمة ظنًا واعتقادًا بصحة تقليدهم امتثالاً لما في التنزيل، فكان ما كان من انتشار المذاهب في جزيرة العرب وبلاد المسلمين.

ولا تخفى محدودية انتشار المعلومة في تلك الأزمنة لانحصار مصادرها في الكتاب والسماع المباشر، وذان أمران أيضًا محدودان فقد كان الكتاب أشبه بالمتوارث والمتداول بين فئة خاصة، وكان الطالب لا يجد الكتاب إلا في مكتبات العلماء أو عند النسّاخ أو في المكتبات العامة التي نشأت في عصور متأخرة، وبأثمان باهضة، وهو الأمر الذي سلك بالناس المسلك الأريح والأسهل وهو مسلك التقليد المذهبي، فالبلاد التي فيها شيخ مذهب معين، لا يسعفه واقعه لنشر المعلومة العامة، لأن الناس لا تجد المراجع بيسر، كما أن الأمر هذا أفاد المتعصبة للمذاهب الذين لا يجيزون لسائر الناس النظر في المذاهب الأخرى، وتطور هذا الأمر إلى أن حصلت فتن واختلافات، وحرّم بعضهم على بعض في كثير من المسائل؛ كالنكاح والطعام.. إلخ.

وقد اختلف الأمر تمامًا في زمننا، وهذا يستدعي من الفقهاء ومن له صلة بالأمر إعادة النظر ليس في الفقه؛ وإنما في قواعد المنع والإنكار التي أصلت عُرفًا وتقريرًا، كـ»لا تقرأ كتاب كيت وكيت. ولا تأخذ برأي فلان وفلان. أو قولهم لا تغيروا على الناس ما هم عليه، بإثارة الخلاف».

وفي الحقيقة لم نثر الخلاف وإنما برزت للناس أقوال كانت مغمورة حين توسعت مصادر المعرفة وتيسرت، وداهمت المسلم في بيته وفي سيارته وفي عمله بل حتى وعلى فراش نومه، فالمعلومة في جيبه وفي يده في الهاتف وفي المحمول وفي الكمبيوتر، معلومات لا تتقيد بحدود ولا تمتثل لمنع وتحذير، ولذلك تجد اليوم من يناقشك في عويص المسائل بكل طلاقة لتوفر المعلومة وسرعة استحضارها بوسائل البحث الذي لا تعرف كلمة «لا يوجد».

فلا يصح أن نضرب عن ذلك صفحًا ونتجاهل فقه الآخرين، وهذا مسلك خطر يفسح المجال للمشوهين بالإساءة لديننا، وفقهائنا حيث منعوا ما يبيحه النظر في فقه الإسلام من كل زواياه.. هذا، والله من وراء القصد.

* نقلا عن " الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.