.
.
.
.

الاحتلال السوفيتى بين بريجنيف وعبدالناصر

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

فى يوليو سنة ١٩٧٠، قام الرئيس جمال عبدالناصر بزيارته الأخيرة إلى موسكو، امتدت الزيارة إلى عشرين يومًا، كانت لطلب المساعدة العسكرية والاستشفاء، وقد تباينت التعليقات عليها وتضاربت، الرئيس السادات فى سيرته الذاتية قدم حكمًا عليها، الأستاذ هيكل كان مرافقًا لعبدالناصر فى تلك الرحلة، تحدث عنها وأشار إليها كثيرًا، خاصة فى كتاباته عن حرب أكتوبر وعن العلاقات المصرية- الروسية. وكذلك الفريق محمد فوزى، وزير الحربية، ومراد غالب، سفيرنا فى موسكو.

ما لم يُشِرْ إليه هيكل ولا السادات، ولم يَرِدْ له ذكر فى التغطيات والكتابات الصحفية والسياسية عن تلك الزيارة أن القضية التى تحدث عنها المؤرخ البريطانى «برنارد لويس»، والتى أثارتها بعض الصحف الأمريكية، كما ترددت فى بعض المجالس الثقافية، والتى أطلقوا عليها اسم «الاحتلال السوفييتى لمصر»، طُرحت على مائدة الاجتماع بين عبدالناصر وبريجنيف، فى حضور القادة السوفييت والوفد المصرى، وجرت مناقشتها مُطوَّلًا.

كان عبدالناصر منزعجًا للغاية من تفوق الطيران الإسرائيلى علينا ومن حجم خسائر قواتنا، فضلًا عن الضحايا من المواطنين المدنيين، وكان يطلب طائرات أحدث، واجه بريجنيف بأن الفانتوم الأمريكية لديها تفوق ساحق على طائرة «ميج ١٧» التى لدى قواتنا الجوية، لكن المشكلة أن السوفييت لو قدموا الطائرات الأحدث فإن تدريب الطيار المصرى عليها سوف يستغرق عامًا ونصف العام، وكان لدينا نقص حاد فى أعداد الطيارين، كان لدى إسرائيل ثلاثة طيارين لكل طائرة، وكان لدينا 12 طيارًا لكل عشر طائرات، وطبقًا لمحضر الاجتماع، فى الأرشيف الوطنى الروسى، لم يكن عبدالناصر راضيًا عن قيادة الطيران فى ذلك الوقت، وهذا ما دفعه إلى ترقية على صبرى إلى رتبة «فريق طيار» وتعيينه مستشار القائد الأعلى لشؤون القوات الجوية، والتفكير فى تعيينه قائدًا للطيران، وطلب عبدالناصر من بريجنيف وجود مستشارين عسكريين متخصصين فى الطيران والدفاع الجوى، إلى أن يستكمل الطيارون تدريباتهم على الطائرات الجديدة، بالإضافة إلى أن الخبراء الروس يمكنهم ملاحظة الثغرات الدفاعية لدينا والتنبيه إليها، حاول بريجنيف التملص من هذا الطلب، لكن عبدالناصر كان مناورًا ماهرًا، كلما أثار بريجنيف اعتراضًا، لم تكن اعتراضات شكلية، فنّده عبدالناصر بمهارة، قالوا له إن ذلك سيفسر بأنهم دخلوا المعركة إلى جوار مصر، فرد عليهم بتصريح للرئيس الأمريكى نيكسون عن أن الولايات المتحدة تقف بثقلها مع إسرائيل ولن تتركها وحدها أبدًا، أعلنوا تخوفهم من أن تُردد إسرائيل أن السوفييت يحاربونهم، كان رده أن المعركة معركة مصر والمصريين، هو فقط يريد منهم حماية العمق المصرى من الغارات (العدوان) الإسرائيلية، وهذه عملية دفاعية مشروعة، لا نريد منكم مهاجمة إسرائيل.

بدا أن بريجنيف غير مقتنع تمامًا وطلب وقتًا للتشاور مع المكتب السياسى للحزب الشيوعى، وهنا ألقى عبدالناصر بقنبلة عليهم، إذا لم يتمكن من حماية المواطنين والدفاع عن بلده، فإنه سوف يصارح شعبه بالحقيقة ويستقيل ليأتى رئيس جديد يكون قادرًا على الاستجابة للشروط الأمريكية ويضع يده بيد نيكسون، اعتبر بريجنيف أن الأمر مجرد حمية لفظية، ورد ضاحكًا: (لكنك الزعيم)، لم يتقبل عبدالناصر ذلك الرد، وأكد أنها ليست مزحة، أخذ بريجنيف ورفاقه المسألة على محمل الجد وقرروا الاستجابة قدر الإمكان، فعلًا عقد المكتب السياسى اجتماعًا ومضت الأمور على النحو المعروف.

فى جلسة 16 يوليو تحدث بريجنيف بحميمية عن تقديرهم للصديق الكبير عبدالناصر ودور مصر، وافقوا على المطالب التسليحية وتركوا للعسكريين من الجانبين مناقشة التفاصيل، اقتصاديًّا طلب عبدالناصر مد أجل سداد الدفعات المقدمة من ثمن السلاح واستجاب بريجنيف فورًا، الأمور السياسية تُركت لوزيرى الخارجية، العتيد جروميكو ومحمود رياض، لكن كانت هناك قضية لا يمكن أن تُطرح إلا على عبدالناصر شخصيًّا، وجهًا لوجه، وهى قلق السوفييت من مدى تقبُّل الشعب المصرى وجود مستشارين وخبراء عسكريين بالقوات المسلحة المصرية وعلى جبهة القتال، المعروف أنه كان هناك خبراء روس شاركوا فى عملية بناء السد العالى وفى بعض المصانع ولم ينزعج المصريون من وجودهم، ربما اعتبروه دليل صداقة وتعاون بين شعبين ودولتين، فى كثير من المشروعات الكبرى شارك خبراء ومهندسون وعلماء أجانب ولم يشعر المصريون بغضاضة تجاههم، من بناء القناطر الخيرية زمن محمد على وحتى بناء القاهرة الخديوية مع إسماعيل باشا وصولًا إلى خزان أسوان أيام عباس حلمى، فضلًا عن الأساتذة الأجانب بالجامعة المصرية منذ سنة ١٩٠٨ حتى الثلاثينيات وغير ذلك كثير، لكن الأمر مختلف ويحتمل دلالات أخرى فى المجال العسكرى، خاصة ونحن فى إطار عمليات حربية ولحظة قتال. كلمة مستشار عسكرى فى الذاكرة الوطنية المصرية تأخذنا إلى «المستشار العسكرى الإنجليزى» زمن الاحتلال البريطانى.

حاول عبدالناصر التخفيف من الأمر بأنه يعلم أن هناك مَن ينتقدونه فى مصر، طبقًا للمحضر، الذى تُرجم ونشرته مؤخرًا «المؤسسة المصرية الروسية للثقافة والعلوم»، استعمل عبدالناصر كلمة «أشتم»، وحددهم بأنهم مَن تمت مصادرة أطيانهم وأملاكهم لصالح الفقراء، وذكر أنه إذا كان هو «يشتم» عند الباب فإنه يتوقع أن «يشتم» السوفييت عند الشباك.

الواضح أنه كان يريد إغلاق هذا الملف، لكن بريجنيف لم يتوقف، بل واصل متسائلًا: «أود الآن أن ألفت انتباهك إلى التقارير التى تفيد بأنك أجريتَ دراسة استقصائية للسكان فى الجمهورية العربية المتحدة لتحديد موقفهم إزاء وجود المستشارين والخبراء العسكريين السوفييت فى ج. ع. م»، وأضاف بريجنيف: «من غير المرجح أن يكون هذا أفضل شكل من أشكال التقارب بين شعوبنا فى هذه المرحلة»؛ فوجئ عبدالناصر بالموضوع كله، هو لم يأمر بشىء من ذلك، وأكد أنه لم يحدث، مثل هذا الاستقصاء من اختصاص المخابرات العامة والداخلية، ولا يتم إلا بأمره مباشرة، وتُعرض النتائج عليه، أحد الرفاق الروس شرح الأمر، وتحدث هيكل عنه بعد ذلك، إذ كان الأمر متعلقًا باختصاصه كوزير، بحث ميدانى أجرته الهيئة العامة للاستعلامات، عبر مكتبها فى «المحلة الكبرى»، حول مسألة أخرى تمامًا، كان أسامة الباز مشرفًا على البحث، وانتهى الأمر بقول بريجنيف: «رفيقنا عبدالناصر، نحن نصدقك دون أى شكوك، لا تظن أننا نأخذ هذه المعلومات على محمل الجد، ونُعيرها اهتمامًا». لكن هناك ما يثير قلقه هو والقيادة السوفييتية.. «نعلم جيدًا أن هناك عناصر فى ج. ع. م تنشر شائعات تزعم الاحتلال السوفييتى للجمهورية العربية المتحدة».

وذهب الزعيم السوفييتى إلى أن الولايات المتحدة ودعايتها هى التى تحاول بث تلك الفكرة بين المصريين.

ويؤكد بريجنيف أنه بمجرد انتهاء مهام الخبراء سوف يعيدهم فورًا، وذكر واقعة من التاريخ السوفييتى فى الحرب العالمية الثانية، لقد آلمهم الألمان كثيرًا، فقد السوفييت طبقًا لبريجنيف عشرين مليون شخص، لذا حين دخلوا برلين بعد هزيمة «هتلر»، تصوروا أنهم سيبقون مائة عام، لكن بعد أسابيع عاد الضباط والجنود الروس إلى وطنهم.

عبدالناصر من جانبه لم ينفِ وجود أشخاص ضده هو شخصيًّا وليسوا ضد السوفييت فقط، وهؤلاء يُعتبرون «عملاء» لأمريكا. وراح يشكو من الصحافة المغرضة التى تبث دعاية مسمومة ضد مصر، حدد بالاسم (بى. بى. سى) وكذلك الصحف اللبنانية «المدعومة أمريكيًّا»، وذكر أن الإذاعة المصرية والصحف تحاول التصدى والرد، لكنها لا تنجح تمامًا.

وفى مسألة الاحتلال قال عبدالناصر، حرفيًّا، وطبقًا لمحضر الاجتماع: «لو كان يساورنى أدنى شك، وإن كان بنسبة واحد بالمائة من إمكانية احتلال سوفييتى لما جئت إلى هنا»، وأكد ناصر: «لن أخاطر إذا علمت أن الشعب المصرى يعارض وجود الروس فى الجمهورية العربية المتحدة، فأنا مدرك تمامًا مَن معنا ومَن ضدنا»، وذكر أنه يزور الجبهة ويلتقى بالضباط والجنود، كما يلتقى الخبراء الروس والمشاكل هناك؛ واتفق مع بريجنيف أن أمريكا وراء الترويج لمثل هذه الشائعات.

والحديث ممتد.

* نقلا عن " المصري اليوم "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.