.
.
.
.

الخطر الأصولي.. المال عصب التنظيمات

عبدالله بن بجاد العتيبي

نشر في: آخر تحديث:

تمويل الجماعات الأصولية واحدٌ من أهم المواضيع التي تهم الدول والحكومات والمجتمعات، ذلك أنه هو الضامن لاستمرار هذه الجماعات الأصولية والتنظيمات الإرهابية في «التنظيم» و«التجنيد» و«التنفيذ»، فبدون أموال تخف شرور هذه الجماعات ويضعف حضورها وتأثيرها.

أعلنت وزارة الأوقاف المصرية الأسبوع الماضي منع تلقي التبرعات في المساجد ورفع كل الصناديق المخصصة لذلك، وأن من يمارس هذا العمل يكون خاضعاً للمساءلة القانونية والقرارات التأديبية، وهي خطوةٌ كبيرةٌ في الاتجاه الصحيح، ومصر الدولة والشعب اكتوت كثيراً من هذه الجماعات وما زالت معركتها معها طويلة على الرغم من النجاحات التي لا تنكر في مواجهتها.

«التبرعات» و«العمل الخيري» و«جمع الأموال» مصدرٌ بالغ الأهمية لدعم هذه الجماعات، وقد نظّرت له كل قيادات «جماعة الإخوان» وجماعات الإسلام السياسي عموماً، وتعلم هذه الجماعات جيداً أن «المال عصب الحياة» و«عصب التنظيمات» وأسهل الطرق لجمعه هو استغلال مشاعر المسلمين تجاه كل الأحداث التي تجري في العالم، ومراكمة الأموال خدمة للتنظيم والجماعة وليس للقضايا التي تثار هنا أو هناك.
الإسلام دينٌ يحث على عمل الخير ومساعدة الضعفاء، وسدّ حاجة المحتاجين في نصوصٍ لا تحصى، وعمل الخير من الأعمال التي تقرّب إلى الله وتضمن التكافل الاجتماعي وهو أصنافٌ وأشكال متعددة تغطي كثيراً من احتياجات المجتمع، وكالعادة فالجماعات الأصولية التي شوّهت الإسلام وجعلته مجرد وسيلة للوصول إلى «الحكم» لا تتوانى في استغلال كل مبادئه الأخلاقية والإنسانية في خدمة مشاريعها التي لا تحتوي شيئاً من الأخلاق أو الإنسانية.
جمع الأموال والتفنّن فيه هو أحد أهم عوامل نجاح وفشل التنظيمات في كل العالم، وقد برعت جماعات الإسلام السياسي وجماعات الإرهاب في كل مجالات وأفكار وأساليب جمع الأموال، وكل الأموال التي تجمع باسم «فلسطين» أو «أفغانستان» أو «الشيشان»، أو تلك التي تجمع تحت مسميات «كفالة اليتيم» و«إطعام الصائم» وغيرها من المعاني النبيلة كان يذهب ريعها للجماعة والتنظيم لا لمستحقيها، والأمثلة لا تحصى في كل بلدٍ عملت فيه هذه الجماعات.
في كل الدول التي عملت فيها هذه الجماعات كان حرصها شديداً وظاهراً في السيطرة على «العملية التربوية» و«الجمعيات الخيرية»، ثم طوّرت هذه الجماعات آليات عملها، والمهم في كل ذلك أن يتم جمع الأموال عن طريق التبرعات والعمل الخيري بشرط أساسي هو ألا تمرّ تلك العملية بأي من مؤسسات الدولة، وألا تستطيع أي حكومة تقصي مصادر ومصارف تلك الأموال.
دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية تمتلكان تجربتين رائدتين في ضبط العمل الخيري، بحيث يساعد المحسنين على عمل الخير مع ضمان إدارة مضمونة لعدم تسرب أي من هذه الأموال للجماعات الأصولية والإرهابية، مع ضمان أن تصل إلى محتاجيها بطريقة فعالة ودون أي تلاعبٍ أو استغلالٍ.
مواجهة الخطر الأصولي ليست موقفاً واحداً وينتهي الأمر، بل هي عملية مستمرةٌ ومتطورةٌ، فهذه الجماعات متمرسة في العمل السرّي والنشاط تحت الأرض وتحت الضغوط ومراقبة الدول، وهي تعرف جيداً كيف تحني رأسها للعاصفة وكيف تتأقلم مع أي إجراءاتٍ جديدةٍ، ثم تعود لجمع الأموال بأفكار وأساليب وطرائق مبتكرةٍ. وأيديولوجيا هذه الجماعات تبيح لها ولعناصرها ارتكاب كل المحرمات الدينية من كذبٍ ونصبٍ واحتيالٍ ما دام ذلك يخدم الجماعة ويضمن استمرار التنظيم.
أخيراً، يكفي القارئ غير المختص أن يرصد الصراعات التي كانت تدور بين «جماعة الإخوان» و«جماعة السرورية» في سنواتٍ مضت، حيث كان الطرفان يحاربان بعضهما بطرقٍ لا أخلاقية لأنهما يعلمان أن «المال عصب التنظيمات».

* نقلا عن " الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.