.
.
.
.

سيف الإسلام القذّافي وجلجلة ليبيا

علي شندب

نشر في: آخر تحديث:

حسم ترشح سيف الإسلام القذّافي الكثير من الجدل، خصوصاً بعد مقابلته الشهيرة مع مجلة "النيويورك تايمز" وما اكتنفها من غموض ضاعف من إثارة الجدل حول الرجل، وأفكاره، والتغيرات التي طرأت عليه، والأهم حول أفكاره وطموحاته السياسية.

اليوم فكّ سيف الإسلام شيفرة الغموض، وأماط بكثير من السلاسة، اللثام حول حقيقته كإنسان حيّ يرزق ويتنفس هواء ليبيا رغم كل ما أصابه وأصابها على مدى عشرية حمراء لم تبق ولم تذر، ولم تترك على ليبيا سترا يغطي ما اعتور سوءاتها الكثيرة التي كانت تتغطى على مدى أربعين عاما بعباءة والده معمّر القذّافي.

لأنّ شروط الترشّح لرئاسيات ليبيا حسب القانون الملزم للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا، يقتضي تقدم المترشح شخصياً أمامها وليس عبر وكيل. حضر سيف الإسلام الى إدارة الانتخابات في مدينة سبها بموجب القانون الذي سمّاها مع مدينتي طرابلس وبنغازي كثلاث إدارات انتخابية يتقدم منهم المترشحون لرئاسيات ليبيا.

الصور والفيديوات المتطايرة من سبها، وهي تغطي تقدّم سيف الإسلام القذافي بطلب ترشيحه، فعلت فعلها في الأوساط السياسية والإعلامية والشعبية في ليبيا. وفيما سجلت بعض مظاهر الفرح والارتياح لدى مناصري القذّافي على امتداد ليبيا، وبينها مدن العجيلات، ورشفانة، الأصابعة، وبني وليد فضلاً عن مدينة سرت مسقط رأسه، فقد عبّرت بعض الأصوات الإخوانية المعارضة عن ما وصفته بالصدمة التي أحدثها ظهور القذّافي الابن مرشحاً في مدينة سبها، وذلك بعد ترويجها للكثير من الإشاعات التي تتحدث عن وفاة الرجل وعن شبيهين له.

وقد فعل ترشيح سيف الإسلام نفسه ففعله، في المعركة الانتخابية ورفع من حماوتها وتحدياتها الحقيقية. إنّها المعركة التي بمجرّد ترشح سيف الإسلام لخوضها يعني حسماً مباشراً للكثير من تفاصيل المعركة وجزئياتها، وتعطي للمعركة وزناً مختلفاً عن الرتابة التي لفّت سابقاتها، ما سيضع المرشحين الجديين مثل عبدالحميد دبيبة وخليفة حفتر وفتحي باشآغا وعقيلة صالح المحسوبين على تيار فبراير رغم انقساماتهم البينية، وغيرهم من المرشحين المحتملين لأنصار النظام السابق يتقدمهم الشخصية الوطنية المرموقة الدكتور محمد أحمد الشريف وسكرتير القذّافي الأب بشير صالح، سيضعهم أمام محك إعادة التفكير بالترشح للانتخابات وسبر أغوارها، قبل قرارهم الاستمرار في الترشح أو العزوف.

رغم كل ما حصل فإن تيار الإخوان والإسلام السياسي الذي ركب بوارج وأساطيل الناتو فشل في حكم ليبيا وإدارتها. بل إن ليبيا ومنذ تمسيكهم مقاليد الأمور فيها وهي تسبح بدماء شعبها المقيم والمهجّر على السواء. كما أن ليبيا تحوّلت بهم إلى دولة ما بعد فاشلة، شأنها في ذلك شأن كل دولة تتغوّل فيها الميليشيا على الدولة، من اليمن والعراق إلى لبنان. كما أنّ ليبيا في عهدهم تحوّلت من دولة دائنة الى دولة مدينة استحقت صدقات الدول ومساعداتها على كل صعيد. كما أن فشل تجربة الإخوان والإسلام السياسي هو امتداد لفشلهم ما بعد الذريع في كل من تونس والسودان، فضلاً عن سقوطهم الديمقراطي الحرّ في المغرب.

فترشح سيف الإسلام القذّافي يعطي للمعركة الانتخابية توازنها النفسي والمعنوي دون النظر الى أثقال السلاح الميليشياوي الذي يبسط نفوذه غربي ليبيا وخصوصاً من مصراتة إلى طرابلس وانتهاء بقاعدة الوطية "التركية" وما حولها. وبهذا المعنى فالتصويت لصالح سيف الإسلام لن يكون محصوراً بتيار النظام السابق الذي يعتبر مجرد ترشيح سيف الإسلام بمثابة رد اعتبار أولي له، بل سيتعدّاه إلى بيئة المنقلبين على النظام السابق وخصوصاً من تيّار فبراير الإخواني أو "تيّار نادمون"، حيث سيكون التصويت العقابي لصالح القذّافي وبالضدّ من تيّار الإخوان التعبير الأقسى عن رفض القواعد الشعبية لهم وضيق حيلتها وصبرها بهم، تماما كما حال خسران الميليشيات الولائية في العراق.

صورة سيف الإسلام المرشح البدوي من سبها اليوم، سبقتها الكثير من الجهود المضنية والصعبة. فتكوين ملف ترشيح الرجل يشبه بحسب الراسخين في تكوين ملفّ الترشيح "البحث عن إبرة في كومة من القش". فمن أين لسيف الإسلام الذي دُمّر بيته وبيت أبيه في باب العزيزية والمربعات على طريق المطار، أن يعثُر في ظل بيئة معادية على صورة شهادة بكالوريوس الهندسة المدنية مع كشف الدرجات العلمية، وهي الوثيقة الثمينة والأساسية في ملف الترشيح، ثم كيف لسيف الإسلام الترشح وهو المحكوم بالإعدام بحسب ما يردّد إخوان فبراير، فضلاً عن كونه مطلوباً لمحكمة الجنايات الدولية.

حجم الصدمة لدى خصوم سيف الإسلام القذّافي أن مفوضية الانتخابات قبلت طلب ترشيحه، وتعبيراً عن هذا القبول أصدرت له البطاقة الانتخابية التي من المستحيل أن يحصل عليها شخص مطلوب قضائياً في بلاده. والحقيقة التي نكشفها للمرة الأولى تقول، إنّ سيف الإسلام استكمل ملفّ مثوله أمام القضاء الليبي بدون ضجيج إعلامي منفوخ، واستحصل بحلول منتصف شهر أكتوبر الماضي على وثيقة رسمية صادرة عن المراجع القضائية المختصة في ليبيا وهي وثيقة "الخلو من السوابق" والتي تعتبر الوثيقة ما قبل رقم واحد في ملف الترشيح.

أمّا لماذا اختار سيف الإسلام مدينة سبها لتقديم ملف ترشيحه الانتخابي؟

كما نعلم فقانون مفوضية الانتخابات الليبية حدّدت ثلاث إدارات انتخابية مركزية بإمكان المترشحين التقدّم منها وهي كما أسلفنا طرابلس، بنغازي وسبها. وبالنظر الى الظروف الأمنية في طرابلس، والجغرافية باتجاه بنغازي ربطاً بمقرّ إقامة سيف الإسلام في مدينة الزنتان المفتوحة على طرابلس من جهة، وعلى جنوبي وغربي ليبيا باتجاه تونس والجزائر وافريقيا من جهة أخرى، فالوصول إلى سبها من الزنتان رغم طول المسافة أكثر أمناً من الوصول الى طرابلس.

لكن هل الأبعاد الأمنية وحدها وراء ترشح سيف الإسلام في سبها؟

بداية تجدر الإشارة إلى أن سبها زمن ثورة الفاتح كانت تسمى مدينة "الشرارة الأولى"، ففيها تتلمذ القذّافي الأب، وفيها نظّم وقاد أولى المظاهرات من أجل فلسطين والوحدة العربية متأثرا بجمال عبدالناصر. كما أن سبها هي الموطن الثاني لقبيلة القذاذفة بعد "وادي جارف" في مدينة سرت. كما أن سبها هي عاصمة قبيلة المقارحة المعروفة من زمن "بني هلال" حليفة القذاذفة التاريخية وشريكتهم في مواجهة أساطيل الناتو ودفع ضريبة الدم، كما أن سبها بوصفها عاصمة الجنوب الليبي هي عاصمة قبائل التبو والطوارق حتى أدغال إفريقيا، فضلا عن قبائل أولاد سليمان المتداخلة عبر الحدود وغيرها من القبائل العربية العتيقة والعريقة. وبهذا المعنى تعتبر مدينة سبها فضلاً عن الجنوب الليبي برمته أهم وأبرز حاضنة شعبية واجتماعية وسياسية من زمن القذّافي الأب إلى زمن القذّافي الابن. وفي هذا السياق عن ارتباط الجنوب الليبي العميق بالنظام السابق، تفيد الإشارة إلى "غات" تلك المدينة الضاربة في أعماق الصحراء المحاذية للحدود مع الجزائر والتي قاتل أهلها مع أهالي مدينة جانت الجزائرية في معركة "إيسيّن" ضد الاستعمار الفرنسي، وهي المدينة التي نظّمت احتفالية تاريخية عام 2011 بعد سقوط النظام السابق لإنزال الراية الخضراء عن ساريتها بكل مظاهر التكريم والوفاء وسط بكاء شيوخها ونسائها وأطفالها.

وعلى سيرة الأب والابن، فالمسألة ليست مسألة وراثة سياسية مطلقاً. فسيف الإسلام القذّافي وفي عزّ نظام أبيه الجماهيري المنتصب على سلطة الشعب، كان رافضاً أن يعتلي صهوة الحكم كوريث لأبيه. وقبيل غزوة الناتو عام 2011 ضجّت المعاجن القانونية والدستورية في ليبيا في محاولة اجتراح نظام دستوري جديد لليبيا قائم على الانتخابات وتداول السلطة، وهذا كان مشروع سيف الإسلام في إطار ما عرف بـ "ليبيا الغد". لكن بوارج حلف الأطلسي كانت أسرع من معاجن ليبيا القانونية والدستورية. ويرجّح أن سيف الإسلام كان مستشعراً عتو عاصفة الرياح التي ستستهدف أوتاد خيمة أبيه كونها لا تتناسب مع متطلبات المنتظم الدولي.

بهذا المعنى وبهذه الأحمال والأثقال يخوض سيف الإسلام غمار الانتخابات الرئاسية كمشروع إنقاذ لليبيا من أتون النيران التي تلفّها. وبهذا المعنى يمكننا أن نفهم معنى أن يكون سيف الإسلام عاد الى أبيه، لكن ليس لنظام أبيه الذي يرى الكثير من رموزه أن مجرّد اقتدار سيف الإسلام القذّافي على الترشيح هو بمثابة ردّ اعتبار أولي للنظام السابق وقائده الراحل معمّر القذافي.

جلجلة جديدة ترتسم أمام طريق سيف الإسلام القذّافي. إنها جلجلة السلام والتضحية والبناء. وهي الجلجلة التي يجبهها بعض أنصار سيف الإسلام من المنتشين بالترشيح والمأخوذين بعبارات التشفي والثأر والانتقام التي إذا ما استفحلت وفشل سيف الإسلام في لجمها، فإنّها ستهدم كل ما يحاول أن يبنيه. ويقيننا أن مجرّد وضع سيف الإسلام نفسه أمام مشرحة الشعب، وخضوعه المسبق لإرادته وما يقرّره في صناديق الاقتراع يشكل المدامك الأساسي في إعادة بناء ليبيا وتضميد جراحها الغائرة حتى تطوي إلى الأبد عشريتها الحمراء، وتضع حدّاً لشلّال الدّم المتدفق منذ عام 2011، وهذه مسؤولية كل أطياف الشعب الليبي ومكوناته السياسية كافة باتجاه ليبيا الجديدة.. ليبيا البيضاء.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.