.
.
.
.

واحة السكينة.. في الخامسة والثمانين

عبد الله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

في الأسبوع الماضي، وبحضور عدد من المقربين، تجمعنا في السرة، نتداول في معاني تجاوز الخامسة والثمانين، وهو ذكرى ميلادي في 7 نوفمبر 1936، فتحدثت للتجمع المحدود بفضيلة العبور من خشونة الحياة إلى نسيم الراحة، متخلصاً من نزعات المنافسة إلى التمتع بالمراقبة، خالياً من غريزة الدوس على الأصابع، وخارجاً من ألاعيب حب التفوق، وبهذا العمر عبرنا إلى واحة السكينة، لا علاقة لنا بغريزة الصعود إلى أعلى السلم، فلا يوجد ألطف من ساحة المشاهدة عن بعد، حيث الشعور بالنسيم الذي ينبعث من دورة الأيام، هذه هي الدنيا تنمو فيها الأطماع، وترتكب الجرائم لتحقيقها، تختفي منها عروش ناعمة وتتبعها عصابات آثمة.
لمست في بداية العمل في وزارة الخارجية طيبة ذلك الزمن، فكان شباب الوزارة مشعلاً للوطنية، وطاقة المستقبل، واذرع العمل في الداخل والخارج، لم تظهر في الكويت آنذاك اندفاعات للترضيات ولا تملقات للترقيات، كان العمل الوطني في الكويت نظيفاً وصحياً لم تلوثه السياسة ولم تمسه التحزبات الفئوية ولم تظهر فيه المرافئ القبلية.

ومع المرحوم الشيخ صباح الأحمد الجابر، كنت أذهب إلى اجتماعات الجامعة العربية آنذاك، أيام الحروب العربية الباردة، فاسمع من يوبخ أمينها الراقي عبدالخالق حسونة، الذي كان صادقاً في قناعاته، فالجامعة العربية تجمع لدول عربية مستقلة، بمصالح مختلفة، وبمؤسسات داخلية مؤثرة في سلوكها، وواقعها الجغرافي له خاصية ولها حسابات، لذلك قراراتها بعيدة عن الواقع، ففيها الكثير فوق طاقة الأعضاء، وتخرج هذه القرارات تخلصاً من الاحراجات.

كانت مداولات الجامعة العربية تدور بين دول متباينة في أسلوبها وفي دبلوماسيتها، فهي لا تجمع فرقاً من دولة الأمة التي يتردد ذكرها في الشعارات القومية، وإنما هي مسعى للتنسيق والتضامن، وإذا غابت القناعة تباعد القوم وتخاصمت الدول كما شهدنا مع الغزو العراقي للكويت.

في الأمم المتحدة، حيث كنت في الفترة بين 1971 - 1981، وجدت شيئاً آخر، كانت مواهب اللسان تشدو بقوة الأوطان، وكانت البلاغة اللغوية هي سلاح الوفود التي تقذف نيرانها في مناقشات اللجان، كانت تجليات الأوهام تتصاعد في أجواء تلك اللجان، وكانت كلها ضجيج إعلام يسعى لتسويق دول معظمها فقير وضعيف في تناقض بين حدة الكلمة وبين حقائق الوطن الهزيل.

وعلى عكس ما رأيته في الجامعة العربية، تتجذر عروق الدولة الوطنية داخل الأمم المتحدة، وترسم الأسوار لحصانتها، ويعلو صوتها عبر الكلمات المضخمة، ويوثق اسمها مع التصويت، فلا توجد فيها أمة واحدة، وإنما أسرة عالمية من أجزاء متباعدة في قارات متناقضة في مستوياتها، لكنها تدعي جميعها الوفاء لميثاق المنظمة وفي معظم الأحيان كذباً ونفاقاً.

شاهدت الكثير من التمثيل الدرامي بسفراء يحملهم الحماس إلى تضخيم الأحداث والعبث بالتاريخ، وتزوير الحقائق، والمؤلم أن هذه الأكاذيب لها تأثير في مواقف الدول الأعضاء، وكانت الكويت إحدى الضحايا لعبثيات ممثلي العراق في الأمم المتحدة، في بداية الستينيات، مع ضحايا آخرين من دول شوهت هذه التطاولات صفحاتهم ومواقفهم.

وأحياناً كنت أقف متفهماً لمنظور الدور الكبرى لمداولات اللجان داخل مبنى الأمم المتحدة، كنا نتحدث دائماً فيما بيننا كسفراء عن حصيلة كل يوم في الأمم المتحدة، فالحصاد اليومي خطباً تشتعل وطموحات تضمحل، مع سجل لهذه المفردات يحفظ في ملفات يقرأها القادمون.

أحسن ما في الأمم المتحدة أن شعارها تحصين واقع الدولة المستقلة، وصون استقلالها، وتجميل نواقصها، وإسماع صوتها في كل ركن في ممرات المنظمة، فالكل يمدح دولته ويستعرض انجازاتها، لا مبالغة بأن قاعات الأمم المتحدة تحولت إلى شبه سوق عكاظ بمفردات متنوعة بالنثر وليس بالشعر..

تركت الأمم المتحدة إلى مجلس التعاون، وكانت التجربة الأولى جالساً على مقعد بجانب الشيخ زايد بن سلطان رئيس دولة الإمارات، وعلى اليمين يجلس الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أمير دولة البحرين وأمامي الملك خالد ملك المملكة العربية السعودية، والشيخ جابر الأحمد، أمير الكويت، والسلطان قابوس، وأمير قطر الشيخ خليفة بن حمد، أراقب تواضعهم بإعجاب وأرصد علو أخلاقهم وسماحة مفرداتهم، وحميمة ترابطهم، فآمنت بضرورة تجنيد ما أقدر عليه لخدمتهم، متطوعاً لأجل راحتهم، ومساهماً بتحقيق ما يريدون.

وبعد أن تركت مجلس التعاون راودتني فكرة إعداد كتاب عنهم، وكان لدي الوقت والتصميم، لكنني لا أملك الجرأة لإعداد كتاب عن تجربتي مع قادة الخليج، خوفاً من عجزي من تقديم ما يستحقون، أو احتمالات سوء التفسير، فتجاوزت الرغبة حرصاً على الابتعاد عن القيل والقال من قراء لا يستطعمون ما أسجله.

كانت قيادة الخليج مجموعة تشع بثقتها في المستقبل، وباليقين في تحويل الخليج إلى ما يريده المواطنون، أمناً واقتصاداً وتنمية، وكان الوعي القيادي الخليجي لقضايا العرب وضرورة مشاركة الخليج للإسهام في تجاوز هذه القضايا له قواعده وفارضاً حضوره، وكان الرادار الخليجي راصداً لما يجب أن تكون عليه قواعد الترابط مع الدول العربية، خاصة أن الحرب العراقية - الإيرانية مشتعلة، لم تقبل إيران وقفها، فكان المرحوم الشيخ صباح الأحمد رئيساً للجنة تجميل العراق وتحصين مواقفه والدفاع عن قضاياه.

هناك عيون عربية ترصد طبيعة كل خطوة من خطوات المجلس وتحللها وتذهب إلى أوسع مدى في التحليل، وكان القادة على علم بها وبتقبل لتبعاتها، ووفق قراراتهم وامتثالاً لتوجهاتهم، صار الخليج قاطرة التنمية العربية وحاميها، وأصبح الخليج الصوت العربي الدبلوماسي القوي في عواصم العالم، مؤثراً سياسياً، وفاعلاً اقتصادياً، وبارزاً استراتيجياً، ومدافعاً مقنعاً بمصداقية مستدامة.

ويمكن أن أضيف شيئاً في نهاية هذه المداخلة حول مسرات العمر، بأن عالم الثمانينيات يسير وفق إرادة المنتمين، فالصامد لا تخوفه عجلة السنين، على أن يبقى مستفيداً من الحرية، ناشطاً اجتماعياً ومتابعاً لقضايا الوطن والعالم، ومصمماً على حماية حيويته ومتواجداً في الشراكة لأهداف بلاده ومتفاعلاً مع مسؤولياته كمواطن تجاه وطنه وتجاه الانسانية.

حذرت الأصدقاء ممن شاركني في الاحتفال من عيوب التجمع في المقاهي المنتشرة في مولات الكويت، محرجة في شكلها، ومؤذية في منظرها، ومضيعة لطاقات جمعت لها تجارب في الحياة يمكن الاستفادة منها، وفوق ذلك، فالمقاهي منصات تعبر عن كساد في العزم، ودلالات للكسل، كما توحي بفقداننا نعرة التحدي، فبدون التحدي تضيع معاني الحياة.

وفر الاحتفال شريطاً لتبادل الاجتهادات حول معاني التقاعد وحول مفاهيم العالم المتقدم عن فلسفة التقاعد.. وطوينا يوماً وعمراً وتم العبور إلى ركن من العمر الشاطر يبنى فيه زمناً مثيراً، ولكل واحد منا اجتهاد.. والله وحده عالم بالغيب.

* نقلا عن " القبس "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.