.
.
.
.

أفريقيا... بوابة الإرهاب الأسود

منير أديب

نشر في: آخر تحديث:

بعد إعلان سقوط تنظيم "داعش" في 22 آذار (مارس) من العام 2019 بدأت التنظيمات المتطرفة تُعزز من وجودها في القارة الأفريقية مستغلة انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من شرق أفريقيا، حيث كانت تتواجد بقوة يبلغ تعدادها 700 جندي في العاصمة الصومالية مقديشو، بهدف دعم مواجهة "حركة الشباب المجاهدين" الصومالية وتدريب القوات الصومالية أيضاً على مواجهة الإرهاب، وهو ما أخلّ بمعادلة مواجهة الإرهاب، ليس على مستوى العاصمة الأفريقية المذكورة وإنما على مستوى القارة السمراء بأكملها.

كل المؤشرات تؤكد أن أفريقيا قد تكون واجهة "داعش" القادمة بعد سقوط مملكته في مدينتي الرقة والموصل، لأسباب ترتبط ببدايات سقوط التنظيم وغيره من التنظيمات الأكثر تطرفاً في منطقة الشرق الأوسط، مع تراجع إدارة البيت الأبيض في مواجهة الإرهاب داخل هذه القارة التي أصبحت جاذبه لتنظيمات العنف والتطرف، ربما لوضعها الجغرافي الذي يسمح بذلك والسياسي الذي أتاح وجوداً أكبر لجماعاته، فضلاً عن الوضع الاقتصادي الذي تعانيه القاره وهو ما يمثل بيئه حاضنه للجماعات المتطرفة.

توجد 5 تنظيمات إرهابية تُشكل الخطر الأكبر داخل القارة السمراء، كما أن هناك دولاً عدة تتمركز فيها هذه التنظيمات وتمثل الخطر الأبرز بين غيرها مع عدد غير محدود من التنظيمات المحلية والإقليمية التي ما زالت تنشط في أغلب دول الساحل والصحراء ومنطقة القرن الأفريقي.

"بوكو حرام" من أهم التنظيمات المتطرفة التي تنشط في نيجيريا، وربما بدأ ظهورها في العام 2002، معنى التنظيم بلغة الهوسا، اللغة الأم في نيجبريا (التعليم الغربي حرام)، ومن المفارقات العجيبة أن التنظيم متوغل في نيجيريا لدرجة أن عدداً كبيراً من الأكاديميين والمثقفين ينتمون الى هذا التنظيم المتطرف، كما أن قوات الأمن تبدو أضعف من التنظيم.

نجح التنظيم على مدار أكثر من خمسة عشر عاماً في قتل وذبح المئات في مجازر علانية، بعضها وصل إلى ذبح 110 من المزارعين والحطابين ومربّي الماشية وصيادي السمك، بحجة أنهم كانوا يتجسسون على التنظيم، فضلاً عن التعاون مع الحكومة النيجيرية وذراعها الأمنية، وهو ما يمثل تحدياً كبيراً في مواجهة التنظيم الأكثر قسوة داخل هذه القارة.

حدثت هذه الواقعه في مدينة مايدوغري في شمال شرقي نيجيريا، ولم تكن الأولى ولن تكون الأخيره رغم قسوتها، وهو ما يضعنا أمام 36 ألف قتيل قام هذا التنظيم باستهدافهم منذ عام 2009 فضلاً عن نزوح نحو مليوني نيجيري، وهو ما يفوق ما فعلته تنظيمات مماثلة في أوطانها.

أعلن تنظيم "بوكو حرام" مبايعته تنظيم "داعش" بعد إعلان دولته عام 2014، ولعله يكون من أوائل التنظيمات المتطرفة في أفريقيا التي أعلنت مبايعتها "داعش"، اذ توجد مشتركات كثيرة بين التنظيمين أكثر من التي تجمع التنظيم مع "القاعدة"، ولعله يكون السر وراء المبايعه السريعة.

تنظيم "القاعدة" في بلاد المغرب الإسلامي، من أقوى التنظيمات المتطرفة داخل القاره السمراء وأعنفها، وتحديداً في شمال الصحراء الكبرى، فقد نجح في تعيين خليفة جديد هو مبارك يزيد بعد مقتل زعيمه درودكال في شهر أيار (مايو) من العام 2020، ولاء التنظيم كما هو واضح من اسمه هو لتنظيم "قاعدة الجهاد" في أفغانستان.
وربما يكون الهوى في دول المغرب الإسلامي مع "القاعدة" وليس مع "داعش"، وقد أكدت تقارير كثيرة التعاون بين التنظيمين. صحيح أن المنافسة تحكم كلٌ منهما، ولكن يبقى أن الهدف الواحد لكل منهما هو ما دفعهما الى التنسيق بصورة أو بأخرى حتى وإن لم يكن معلناً.

وللمفارقة العجيبة في السياق، أن أغلب قيادات "داعش" تعود أصولهم الى دول المغرب العربي رغم الهوى "القاعدي" لهذه المنطقة كما أشرنا، بخاصة القيادات التنظيمية أو العسكرية، بخلاف المقاتلين، فكثير منهم ينتمون الى دول البلقان ودول أوروبا والبعض من دول الشرق الأوسط.

يُعد التنظيم امتداداً لـ "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" التي انشقت عن "الجماعة الإسلامية المسلحة" في العام 1997 اعتراضاً عن استهدافها المدنيين، وقد أعلن أيمن الظواهري، الزعيم الحالي لتنظيم "القاعدة" تحالفه مع "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" في الجزائر لتتحول إلى تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي".

نجح تنظيم "القاعدة" في بلاد المغرب العربي في تصدير عدد كبير من مقاتلية الى منطقة الشرق الأوسط حتى بات يشكل تهديداً حقيقياً للأمن والاستقرار، فضلاً عن أن التنظيم أصبح مصدراً رئيسياً للمقاتلين الذين قاتلوا في صف "داعش" عندما سيطر على الرقة والموصل في حزيران (يونيو) من العام 2014.

"حركة الشباب المجاهدين" في الصومال من أهم التنظيمات المتطرفة في أفريقيا، اذ تُسيطر على قرابة 95 في المئة من الأرض، ويعود أصلها الى المحاكم الإسلامية، القريبة الصلة بحركة "الإخوان المسلمين"، أو على الأقل كانت تلقى تأييداً منها، وقد نجحت في القيام بمئات العمليات الإرهابية على الأراضي الصومالية وخارج الصومال.

ربما يزداد خطر هذا التنظيم بعد قرار البنتاغون الأميركي الانسحاب من الصومال عام 2021 وإعادة نشر جزء من القوات التي تمثل قرابة سبعمئة جندي أميركي في الدول المجاورة للصومال، وهو ما انعكس على نشاط هذا التنظيم المتطرف.

تحددت مهمة القوات الأميركية في تدريب القوات الصومالية لمكافحة الإرهاب والوقوف أمام نشاط "حركة الشباب المجاهدين"، والتي سبق وصنفتها الولايات المتحدة جماعة إرهابية في العام 2008، وبالتالي ما زال خطرها يُهدد أمن الصومال وأفريقيا بأكملها، فأغلب التقارير تؤكد تنقل التنظيم المتطرف خارج الصومال والقيام بأعمال إرهابية خارج الحدود.

تُشكل مالي بيئة حاضنة لتنظيمات العنف والتطرف، ولعلها في مقدم الدول الأفريقية العالية الخطورة مقارنة بجيرانها، ويشكل تنظيم "أنصار الدين" التهديد الأكبر داخل مالي، وما زالت هناك جهود فرنسية لمواجهة هذا التنظيم على وجه التحديد، ولكنها تظل أقل بكثير مما يُشكله التنظيم من خطر كبير.

لم يبقَ سوى تنظيم "التوحيد والجهاد" في غرب أفريقيا، حتى تصبح أفريقيا المرشح الأول بين القارات الأخرى حتى يتوطن تنظيم "داعش" في هذه القارة بعد سقوطه في الرقة والموصل، وتصبح التنظيمات الخمسة الأخطر على قارة أفريقيا، وهي "بوكو حرام" في نيجيريا و"القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، و"حركة الشباب المجاهدين" في الصومال وحركة "أنصار الدين" في مالي وحركة "التوحيد والجهاد" في غرب أفريقيا.

الموقف الدولي يبدو مُهترئاً وضعيفاً ويعمل لمصالحه السياسية في أفريقيا بعيداً من مواجهة تنظيمات العنف والتطرف، ولذلك فإن جزءاً من أسباب انتشار الإرهاب في هذه القارة له علاقة بغض الطرف من بعض الدول الكبرى عن وجود التنظيمات السابق ذكرها في القاره السمراء، فضلاً عن دعم هذه التنظيمات بصورة ترتبط بمصالح بعض هذه الدول.

نشاط المجتمع الدولي في أفريقيا يبدو ضعيفاً مقارنة بخطر هذه التنظيمات، وهو ما يُدلل الى عدم رغبة المجتمع الدولي في مواجهة بؤرة الخطر في هذه القارة، وربما لأنها لا تشعر بأن هذا الخطر يتهددها وهو ما أدى إلى غياب الإرادة الدولية للمواجهة في هذه القاره.

جزء كبير من انتشار الإرهاب في أفريقيا له علاقة بعودة شبكاته في أفغانستان وباكستان وهو ما أثر في وجودة في أفريقيا، فكلا الدولتين تمثلان بيئه حاضنه لقيادات هذه التنظيمات على مدار فتره طويلة، ولعل الطبيعة الجغرافية التي تتمتع بها أفريقيا كانت وراء قوة هذه التنظيمات في هذه القاره واحتمالات توطن التنظيم فيها بالصورة المشار إليها.

حرية التنقل داخل هذه القارة تمثل أهم تحدٍ أمام انتشار الإرهاب، فلا توجد رقابة حقيقية على حدود العواصم الأفريقية، وبالتالي تتحرك التنظيمات المتطرفة المحلية والعابرة الحدود والقارات من عاصمة أفريقية إلى أخرى بسهولة شديده، وبالتالي فإن فرض أي رقابة على الحدود يقلل من فرص خطر التنظيمات ويمنع انتقالها من عاصمة أفريقية الى أخرى، ومن هنا لا بد من أن يكون التركيز في المواجهة على التنظيمات التي تتواجد في كل عاصمة أفريقية.

ولعل تحرر كثير من العواصم الأفريقية منذ سنوات قليلة أو وقوعها تحت سيطرة الدول التي كانت تحتلها في وقت من الأوقات، أعطى مبرراً لنشأة هذه التنظيمات ولتواجدها حتى هذه اللحظة، هذه التنظيمات تقدم نفسها مدافعة عن استقلال الدولة وتحمي حمى الإسلام، اضافة الى سبب آخر يرتبط بنشاط المجموعات التبشيرية التي تحفز نشاط هذه التنظيمات.

هناك اتجاه قوي لمواجهة خطر تنظيمات العنف والتطرف من جانب العواصم الأفريقية وحكوماتها رغم ما تحتاجه هذه الحكومات من دعم، إلا أنها ما زالت ترسم خطوط المواجهة وما زالت قادرة في الوقت نفسه على التصدي للعنف المتصاعد في هذه القارة، بخاصة أن ثمة تنسيقاً حدث بين هذه العواصم الأفريقية وبين دول عربية في منطقة الشرق الأوسط تستشعر خطر وجود الإرهاب في أفريقيا.

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.