.
.
.
.

الأخبار «الصحية» والمعلومات المضللة

حسن المصطفى

نشر في: آخر تحديث:

كثير من المعاناة واجهتها في المحتوى العربي، وتحديداً في "الصحافة الصحية"، أثناء إعدادي لكتابة مقاليَّ عن "اليوم العالمي لمرض السكري"، الذي يصادف 14 نوفمبر من كل عام، ويكون بمثابة مناسبة للتوعية بالمرض الذي تحتل فيه المملكة العربية السعودية مرتبة متقدمة في معدلات الإصابة، حيث تأتي السابعة عالمياً، والثانية شرق أوسطياً، حيث تشير بيانات "منظمة الصحة العالمية" أن 7 ملايين فرد مصابون بالسكري في السعودية، فيما 3 ملايين فرد يعانون من مقدمات الإصابة بالسكري!

وفق المنظمة الدولية أيضاً، فإن هنالك قلقاً من نمط الازدياد في نسبة الإصابة بالسكري في المملكة، حيث تضاعفت الأرقام بنحو عشر مرات خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

"منظمة الصحة العالمية" قالت إنه من "المتوقع أن يرتفع العبء الصحي الناجم عن مرض السكري في المملكة العربية السعودية إلى مستويات كارثية، ما لم يتم دمج برنامج واسع النطاق لمكافحة الأوبئة، مع التركيز بشكل كبير على الدعوة إلى اتباع نظام غذائي صحي، بما في ذلك ممارسة الرياضة وأنماط الحياة النشطة، والتحكم في الوزن".

"السكري" كمرضٍ يعاني منه ملايين الأفراد في السعودية، يدفع الصحافيين والمعلقين إلى الحديث عنه باستمرار، والتحذير من تبعاته، واقتراح طرق وقاية أو علاج منه.

عبر متابعتي خلال سنوات طويلة، يمكنني أن أجزم أن أكثر من 80 % مما قرأت -مما يعتبرونه "نصائح طبية"- وربما أزيد من ذلك، هو مجرد "هراء" لا علاقة له بالعلم والطب، وإنما مجرد لملمة لمعلومات مبعثرة، غير دقيقة، وكثير منها خاطئ ويؤدي لنتائج سلبية على صحة المرضى، وتقود إلى مزيد من السلوكيات الغذائية والوقائية غير السليمة!

المشكلة تكمن في شحة المختصين في الصحافة "الطبية" و"الغذائية" في السعودية، وهم نادرون عربياً، لأنه مجال لا يحظى باهتمام كبير، ولا مكانة اجتماعية مرموقة!

لكي تكون مؤثراً، من الأفضل أن تكون صحافياً سياسياً أو رياضياً أو حتى في الحقلين الاجتماعي والفني! وهي بالمناسبة حقول مهمة، ويجب أن يكون هنالك مختصون فيها على درجة عالية من المهنية والموضوعية والدقة، إلا أن الصحافة "الطبية" عربياً، تعاني من غياب الكفاءات بشكل ملحوظ؛ وذلك جزء من مرض الجسم الصحافي العام، وانتشار ثقافة الاستسهال والخفة في العمل، واعتقاد الفرد بأنه قادر على الكتابة أو إبداء الرأي في كل صغيرة وكبيرة، وهي الآفة التي زادتها تجذراً وسائل التواصل الاجتماعي، والرغبة في الشهرة والظهور والكسب السريع!

سآخذ مثالاً بسيطاً من أحد المواقع الإلكترونية، الذي اقترح عدداً من الوجبات قال عنها إنها "صحية لمرضى السكري".

بحسب التقرير الذي نشرته الصحيفة الإلكترونية، فإنه يقترح أن تتضمن الوجبة الأولى "نصف كوب جبن قليل الدسم، وكوب عصير برتقال خالٍ من السكر، مع نصف رغيف خبز قمح أسمر" إضافة لأطعمة أخرى. أما الوجبة الثانية فتشترك مع الأولى في "نصف رغيف أسمر، وبيضة مسلوقة"، فيما الوجبة الثالثة "نصف ثمرة مانجو أو موز، وكوب زبادي خالٍ من الدسم، وملعقة صغيرة عسل نحل، وكوب زنجبيل ساخن خالٍ من السكر"!

الوجبات الثلاث المقترحة جميعها ستزيد من نسبة الإنسولين في الدم، لأنها تحتوي على السكر والكربوهيدرات، وبالتالي ستستمر مشكلة "مقاومة الإنسولين" في الجسم، عوض العمل على حلها. لو كان كاتب الخبر "صحافياً مختصاً في الصحة" وباحثاً متابعاً للدراسات الحديثة الموثوقة والعلمية، سيعمل على تحليل المعلومات التي ترده، وسيعرف أن "الجبن قليل الدسم" تضيف له المصانع "السكر" من أجل تحسين الطعم، وأن عصير البرتقال هو مشروب مركز "السكر" فاقد للفوائد الغذائية والألياف، وأنه حتى الطازج منه ممتلئ بالسكر، وبالتالي فهو خطر على المرضى، فضلاً عن السكر والكربوهيدات العالية الموجودة في الخبز والمانجو والموز والعسل؛ فكيف يتم اعتبارها مناسبة لمرضى السكري؟!

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.