.
.
.
.

مأزق الانتخابات الليبية... دعم دولي وانقسامات داخلية

حسن أبو طالب

نشر في: آخر تحديث:

على الرغم من أن القوى الدولية والإقليمية تدعم إجراء الانتخابات الليبية البرلمانية والرئاسية في موعدها المقرر من «الحوار الوطني» في 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وتؤكد ضرورة خروج القوات الأجنبية والمسلحين وفق جدول زمني واقعي وبما لا يؤثر على إجراء الانتخابات في موعدها المعلن، فإن الداخل الليبي يبدو منقسماً حيال إجراء الانتخابات الرئاسية على وجه التحديد. الانقسام أو الاختلاف بين فريقين تجاه قضية ذات طابع جدلي وتنافسي هو أمر معتاد لا سيما بشأن انتخابات سوف تفصل بين مرحلتين تاريخيتين في تاريخ البلاد، الانتقالية والدائمة. بيد أن الأمر يأخذ أبعاداً أخرى إذا لمّح أو هدد أحد الفريقين بعدم قبول النتائج والاعتراض عليها من غير الأسلوب القانوني. وهنا تكمن مشكلة الانتخابات الليبية المتعلقة بالقبول العام والشرعية أمام الداخل والخارج على السواء. وهو ما تحسّب له مؤتمر باريس المنعقد في 12 من الشهر الجاري بالتهديد بتوقيع عقوبات دولية على المعترضين على نتائج الانتخابات أو من يشككون في نتائجها، وهو ما أكده السفير الأميركي لدى ليبيا، معتبراً الانتخابات مدخلاً لإعادة توزيع الثروة بين الليبيين.
أهمية الضغوط الدولية لا تقبل المناقشة، لكنها تفتقر إلى حدٍّ ما إلى آلية عملية تسمح بدفع العملية السياسية إلى الأمام بأكبر قدر من التوازن والفاعلية، ولعل تأخر تطبيق قاعدة خروج المسلحين المتفق عليها قبل أكثر من عام يجسد فجوة الفاعلية الدولية من جانب، ويكشف الغطاء عن القوى الدولية المستفيدة من المسلحين والمرتزقة على الأرض الليبية من جانب آخر، وفي المقدمة تركيا وروسيا، وهو ما يزيد من تعقيدات الحالة الليبية بشكل عام، ويُخفض من ثقل الضغوط الدولية، ولكن لا ينكر أهميتها وضرورتها معاً.
والواضح من خريطة المواقف الليبية أن الانقسام المجتمعي والمناطقي هو سيد الموقف. فهناك فريق ذو وزن سياسي ومناطقي يعيش في غرب البلاد يعتقد أن الانتخابات سوف تأتي بمرشح من الشرق الليبي، لديه رؤية ليست مقبولة لهم، ستغير الواقع وتُنهي كثيراً من مظاهر التسلح غير القانوني، وتقضي على مصالح شخصية ومناطقية عديدة استقرت طوال العقد المنصرم، وثمة خشية من فقدانها. ويعكس هذا الاعتراض الافتراضي نوعاً الاعتراف المُسبق بالخسارة، ومن ثم فالأفضل لديهم هو منع الانتخابات والاعتراض عليها، أو تأجيلها إلى ما شاء الله، وبقاء الأوضاع كما هي من انقسام مؤسسي ومظاهر ضد السيادة وتفريط في مصالح البلاد العليا.
وتدل خطوة المجلس الأعلى للدولة برئاسة خالد المشري، ذي التوجه الإخواني، بالاعتراض على قانون الانتخابات والادعاء بفقدانه قاعدة دستورية توافقيه، والمطالبة بتأجيل الانتخابات حتي مارس (آذار) المقبل أو ما بعده، على أن المجلس الأعلى يقود حملة تشكيك في مجمل العملية السياسية، وأن أعضاءه يتخوفون من نتائج الانتخابات، ويعملون على تعطيلها قدر الإمكان. يلاحَظ هنا أن خالد المشري رئيس المجلس، زار أنقرة والتقى الرئيس التركي إردوغان، ونال تأييده فيما يتعلق بضرورة أن تكون الانتخابات فرصة للاستقرار وفق الرؤية التركية، وتعديل آلياتها القانونية، وتجاهل المطالب الدولية الخاصة بخروج المرتزقة والمسلحين من ليبيا، وجزء كبير منهم تابعون لتركيا، يقدمون الحماية لفريق المشري ولكل من يعارض المشير خليفة حفتر خاصة والشرق الليبي عامة، ويؤكدون النفوذ التركي في الغرب الليبي، عسكرياً واقتصادياً.
وبغضّ النظر عن مدى واقعية هذا التوجه الاعتراضي، يتجاهل هؤلاء أن الانتخابات تطرح فرصة الاختيار بين أكثر من شخص مرشح، بعضهم بالتأكيد سينتمي إلى الغرب الليبي، ومنهم من لديه فرصة كبيرة للفوز بمنصب الرئاسة مقارنةً بمرشحين آخرين من الشرق والغرب معاً. ويُشار هنا إلى فرصة عبد الحميد الدبيبة بالفوز إذا ما ترشح لانتخابات الرئاسية، استناداً إلى أدائه المقبول كرئيس لحكومة الوحدة الوطنية من شريحة عريضة من الليبيين في الغرب ومناطق في الجنوب. كما أن فتحي باشاغا وزير الداخلية السابق، من المرشحين المحتملين ولديه تأييد شعبي وازن.
انقسام الغرب الليبي وإعلاء مصالح شخصية والميل إلى وقف العملية السياسية برمّتها، ليس وحده السبب الذي يدعو إلى القلق، فثمة أخطاء حدثت في عملية إقرار قانون الانتخابات، كان يمكن تداركها، وبالتالي إجهاض حجج المعترضين في المهد. فالقانون الصادر من مجلس النواب لم يناقشه النواب أصلاً، مما يدفع البعض إلى التشكيك في دستوريته وفي شرعية اعتماده قانوناً مقبولاً لانتخابات مصيرية تحدد مستقبل البلاد. ولم يلتزم القانون بفرض إجراء الانتخابات البرلمانية والانتخابات الرئاسية في اليوم ذاته وفصلَ بينهما، إذ أعطى الأولوية للرئاسية وأخّر البرلمانية إلى ما بعد اعتماد نتائج الرئاسية بثلاثين يوماً.
كما أن القانون وفقاً لما صرح به رئيس مفوضية الانتخابات عماد السائح لم يتضمن أحد بنود مقررات الحوار الوطني، وهو البند الخاص بعدم أحقية أعضاء حكومة الوحدة الوطنية التي يرأسها عبد الحميد الدبيبة والمجلس الرئاسي برئاسة المنفي الترشح للانتخابات الرئاسية، بل صدر القانون خالياً من هذا البند ومن ثم تجاوز عن أحد بنود الإطار التوافقي لمجمل العملية السياسية، وبهذا يتيح القانون عملياً لعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية فرصة الترشح للانتخابات الرئاسية، وهو ما أكده رئيس مفوضية الانتخابات.
المعترضون يركزون أيضاً على البند الخاص في القانون المتعلق بإمكانية أن يترشح أي مسؤول للانتخابات الرئاسية بشرط أن يتخلى عن ممارسة أعباء وظيفته قبل ثلاثة أشهر من الانتخابات، على أن يعود إلى منصبه في حال عدم فوزه. وهو البند الذي تراه قوى سياسية مصمماً لإتاحة الفرصة لترشح المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي، مع إمكانية بقائه في منصبه حال خسارته. وهنا تبدو مفارقة مهمة، فإذا خسر حفتر يمكنه العودة إلى منصبه قائداً للجيش وفقاً لما أقره البرلمان. هذه الأفضلية سيفقدها أي مرشح آخر في الحكومة الحالية أو المجلس الرئاسي إنْ دخل المعترك الانتخابي وخسر، فمع إعلان نتائج الانتخابات وتسليم السلطة لن يكون هناك مجلس رئاسي أو حكومة وحدة وطنية يمكن العودة إليها.
القانون على النحو السابق، ورغم بعض هناته، فإنه يتيح من الناحية العملية فرص الترشح لكثيرين في الحكومة وفي المجلس الرئاسي والجيش الوطني فضلاً عن أعضاء برلمان سابقين وحكومات سابقة، كأن من قاموا بتحرير بنوده راعوا فتح الأبواب أمام الجميع، مَن في السلطة ومَن في خارجها. على أن يظل الحسم مرتبطاً بإرادة الناخبين إذا ما تم ضمان عملية انتخابية شفافة ونزيهة وبعيدة عن أي تدخلات. ولعل فريق المراقبين الأوروبيين الذين وصلت مقدمتهم بالفعل إلى ليبيا هو أحد ضمانات نزاهة الانتخابات المطلوبة بشدة.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.