.
.
.
.

«كوب 26»: اتفاق اللحظات الأخيرة

وليد خدوري

نشر في: آخر تحديث:

توصلت الدول المشاركة في مؤتمر «كوب26» في اللحظات الأخيرة إلى اتفاق يحدد أطر العمل للمرحلة المقبلة. وأعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة استضافتها مؤتمر الأمم المتحدة للتغيير المناخي «كوب28»، المزمع عقده في عام 2023.
يدعو الاتفاق إلى زيادة الطموحات للتسريع بالتغيير المناخي من خلال دعم وتصعيد الأهداف المنوي تحقيقها بحلول عام 2030، وأن يجري تبني هذه الخطوات التصعيدية لعام 2030 بنهاية عام 2022. كما جرى طلب تخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون 45 في المائة لعام 2030 مقارنة بمعدلها في عام 2010، ووافقت الدول الصناعية على مضاعفة مساهماتها لبرامج التغيير المناخي للدول النامية (هذا مع العلم بأن التعهدات الحالية بدفع نحو 100 مليار دولار سنوياً لم يتم تنفيذها). وطالب المؤتمر الدول بالتخلي عن سياسات دعم الوقود.
تطرح طريقة التوصل إلى الاتفاقات الأخيرة أسئلة محيرة ومقلقة... ما الذي تغير لتصعيد وتيرة تسريع عملية التغيير المناخي؟ ما الجديد علمياً الذي أصبح معروفاً اليوم ولم يكن معروفاً بالأمس؟ أم إن اتفاق اللحظات الأخيرة هو لتلبية مطالب الرأي العام والسياسات الداخلية في بعض الدول الصناعية؟
وهناك سؤال حول توفر الإمكانات العلمية والصناعية للتخفيض السريع للانبعاثات... فكم جرى تنفيذه فعلاً لحد الآن من تعهدات لتقليص الانبعاثات الكربونية في معظم الدول النامية؟ وهل للدول النامية الإمكانات الصناعية والعلمية لتنفيذ ما يجري الاتفاق عليه؛ أم هل نحن في نهج يلبي متطلبات وإمكانات الدول الصناعية فقط؛ الأمر الذي يعني أن المؤتمرات هذه تتبنى سياسات حسب مواصفات وإمكانات الدول الصناعية دون الأخذ في الحسبان العوامل الموضوعية للدول النامية؟ وهل تمر سياسة التغيير المناخي العالمية في مسارين مختلفين؟
هناك بالمناسبة أيضاً الطروحات التي يطالب بها بعض الدول والمجموعات بالتخلي عن النفط والغاز، المتمثلة في «التحالف ما بعد النفط والغاز» الذي يشكل مجموعة دولية داعية لوقف التنقيب عن النفط والغاز. تكمن «شعبوية» مطالب هذه المجموعة في غضها النظر عن توفر الإمكانات العلمية للحصول على البترول النظيف (الخالي من الانبعاثات). تقود هذه المجموعة الدنمارك وكوستاريكا، ومعهما كل من فرنسا وغرينلاند وآيرلندا والسويد، هذا بالإضافة إلى مقاطعة كيوبيك الكندية وويلز البريطانية. وهناك احتمال انضمام ولاية كاليفورنيا الأميركية ونيوزيلاند عضوين مساعدين في المجموعة.
تتجاهل هذه الأنواع من الطروحات ضرورة الاستفادة القصوى من جميع أنواع الطاقة (الخالية من الانبعاثات) وتتجاهل أيضاً الآثار الاقتصادية المترتبة على الاستغناء عن بعض مصادر الطاقة النظيفة (كالبترول النظيف) لما قد يؤدي إليه هذا من آثار سلبية على موازين الطاقة العالمية من عرض وطلب ومن ثم ارتفاعات سريعة وعالية لأسعار الطاقة وانعكاساتها التضخمية على الاقتصاد العالمي.
تم عقد 26 مؤتمراً حتى الآن دون التوصل إلى حلول توفيقية تخدم سياسة تصفير الانبعاثات بحلول منتصف القرن. فالنهج المتبع حتى الآن في الدفع بمسارين مختلفين أمر غير مشجع، وسيخلق كثيراً من البلبلة والغموض عند الرأي العام... وهذا ما هو حاصل فعلاً.
من جهتها، بادرت دول منتجة كبرى؛ السعودية والإمارات، منذ فترة إلى تبني السياسات والمشاريع التي تفتح المجال لالتقاط انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والحصول على البترول النظيف. جرى هذا باستثمار مبالغ ضخمة لإنتاج البترول النظيف والتوصل إلى سياسات تصفير الانبعاثات في الدولتين. ويجري الآن بالفعل تصدير بعض المنتجات من هذه المشاريع إلى الأسواق العالمية. كما بادرت دول بترولية أخرى مثل مصر وسلطنة عمان إلى تبني مشاريع مماثلة.
أكد الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، في كلمته بمؤتمر «كوب26» في غلاسكو، على ضرورة العمل لتضافر دولي يأخذ في الحسبان مبدأ المسؤولية المشتركة بين الدول، داعياً إلى دعم الدول الأقل نمواً لمواجهة الآثار السلبية الناجمة عن السياسات المتعلقة بالتغيير المناخي، دون تعطيل تنميتها المستدامة. كما ذكر وزير الطاقة السعودي أن الجهود الدولية لمكافحة التغيير المناخي يجب ألا تقوض أمن الطاقة العالمي، أو تتجنب أي مصدر معين للطاقة. وأضاف الأمير عبد العزيز بن سلمان أنه من الضروري أن نقر بتنوع الحلول المناخية، وأهمية خفض الانبعاثات. كما شدد وزير الطاقة السعودي على أن بلاده تتبنى ما يزيد على 53 مبادرة يفوق حجم الاستثمارات فيها 185 مليار دولار؛ منها الوصول بالطاقة المتجددة إلى حصة 50 في المائة من الطاقة الإنتاجية لمزيج الكهرباء، و«مبادرة البرنامج السعودي لكفاءة الطاقة»، وبناء واحد من أكبر مراكز العالم في إنتاج الهيدروجين الأخضر بمدينة «نيوم». ووفق الأمير عبد العزيز، تطمح المملكة إلى إنتاج 4 ملايين طن سنوياً من الهيدروجين الأخضر والأزرق، وبناء أكبر مجمع لاحتجاز واستخدام وتخزين الكربون بطاقة تصل إلى 44 مليون طن سنوياً بحلول عام 2030، بالإضافة إلى إنشاء صندوق للاستثمار في تقنيات الاقتصاد الدائري للكربون في دول الشرق الأوسط وأفريقيا والدول النامية.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.