.
.
.
.

تغذية أكثر خضرة واستدامة في قلب العمل المناخي

بان كي مون

نشر في: آخر تحديث:

ثمة مهمة حاسمة على عاتق المندوبين المجتمعين في غلاسكو من أجل مؤتمر"كوب 26" الذين يبلغ عددهم نحو 25 ألفاً، تتمثل في مناقشة الحلول المناسبة والاتفاق عليها، لتجنب كارثة مناخية يمكن أن تسبب دماراً لا يوصف للعالم. ونظراً إلى أن المفاوضات تبقى حتى الليل وتصبح محتدمة، بحسب ما يحدث غالباً، فالشيء الوحيد الذي يمكنهم الاعتماد عليه يتجسد في تناول وجبات صحية وصديقة للمناخ.

لذا، حرص منظمو "كوب 26" على أن يكون 80 في المئة من الطعام المقدم في المؤتمر مصنوعاً من مكونات موسمية مصدرها اسكتلندا كطحالب "مارا"، التي يمكن أن تنمو من دون أسمدة أو مياه عذبة أو تراب، ونبتات الجزر والبطاطس المخزنة باستخدام الطاقة المتجددة. وقد أبلغ عدد من أعضاء فريقي ممن حضروا المؤتمر عن نوعية الطعام الجيدة. وتجدر الإشارة إلى أن جهوداً متضافرة وجديرة بالثناء بذلت للحد من هدر الطعام.

يشكل ذلك مثلاً ممتازاً يشير إلى أن الغذاء والزراعة يشكلان المحرك والحل في أزمة المناخ. في الواقع، ما لم نغير الطريقة التي نستخدمها في الوقت الحالي في إنتاج الطعام ومعالجته ونقله واستهلاكه والتخلص منه، لن نحرز أي تقدم في التخفيف من تغير المناخ والتكيف معه، علماً أنه القضية الحاسمة في عصرنا.

وحاضراً، تميل المناقشات حول تغير المناخ إلى التركيز على قطاعي النقل والطاقة، لكن النظم الغذائية مسؤولة عن أكثر من ثلث انبعاثات الاحتباس الحراري العالمية، مع تأثيرات بيئية واسعة النطاق. وكذلك، فإن الزراعة شديدة التأثر بالتغيرات في درجات الحرارة وهطول الأمطار. في هذا الإطار، يعاني عدد متزايد من المزارعين، ولا سيما أصحاب المزارع الصغيرة الذين ينتجون نحو ثلث غذاء العالم، فقدان المحاصيل والماشية، بينما يحاولون التكيف مع الأحوال الجوية غير المنتظمة في شكل متزايد.

والجدير بالذكر أن الحرارة والجفاف والفيضانات والعواصف وارتفاع مستوى سطح البحر وانتشار الحشرات ليست سوى بعض المخاطر المناخية التي يواجهها منتجو الغذاء. وكذلك تملك القدرة على تدمير حياة مئات الملايين وسبل عيشهم. ويشمل ذلك المزارعين والأشخاص الذين يعتمدون عليهم في تأمين الغذاء.

في 2020، عانى 811 مليون شخص نقص التغذية بينما عجز نحو ثلاثة مليارات، أي ما يزيد على واحد من كل ثلاثة أشخاص في العالم، عن تحمل تكاليف النظم الغذائية الصحية. وزيادة في سوء الأمور، من المتوقع أن يؤدي ارتفاع تركيزات ثاني أكسيد الكربون إلى تقليل توافر العناصر الغذائية الأساسية كالبروتين والحديد والزنك.

وبالتالي، يتجسد التوازن الدقيق الذي يجب أن نسعى لتحقيقه، في خفض الانبعاثات مع ضمان طعام مغذ كاف للجميع، من دون إغفال أي أحد. لذا، نحن بحاجة إلى تسليط الضوء على القضايا المترابطة المتعلقة بالنظم الغذائية، والجوع والفقر، والتنوع والاستقرار البيولوجي، والتكيف مع المناخ والقدرة على الصمود. كذلك ينبغي أن تشكل الزراعة مسألة محورية بالنسبة إلى كتل البلدان النامية القوية في مفاوضات "كوب 26".

وفي سياق متصل، تعتبر الزراعة محركاً رئيساً في إزالة الغابات وتحويل الأراضي، وتحمل أيضاً مفاتيح الإبقاء على الزيادة في الاحتباس الحراري أقل من درجتين مئويتين. ومن خلال الاستثمارات الصحيحة في البحث والابتكار، يمكن لمالكي المزارع الصغيرة، وخصوصاً النساء والشعوب الأصلية وجيل الشباب، أن يكونوا جزءاً من الحل في عدد من التحديات التي نواجهها، عبر تغيير النظم الغذائية بطرق تقلل الجوع والفقر، وتحسين الوصول إلى الحمية الغذائية الصحية، وحماية البيئة والتنوع البيولوجي. في الواقع، يمكن أن تزودنا حلول التكيف المستندة إلى الطبيعة بأطعمة صحية ولذيذة، تكون مفيدة للمستهلكين والمزارعين وكوكب الأرض.

وفي هذا الإطار، حددت المملكة المتحدة أربعة أهداف رئيسة خلال "كوب 26" الذي استمر أسبوعين، مع التركيز على حماية الطبيعة، بما في ذلك بناء أنظمة زراعية مرنة ووقف إزالة الغابات كاستراتيجيات رئيسة في التكيف والتخفيف.

وكذلك، شهدنا إطلاق حكومتي الولايات المتحدة الأميركية والإمارات العربية المتحدة "مبادرة الابتكار الزراعي للمناخ" التي يشار إليها بمصطلح "أي آي أم 4 سي" AIM4C رسمياً، التي تدعو إلى زيادة الاستثمار في الزراعة الذكية مناخياً وابتكار النظم الغذائية على مدى السنوات الخمس المقبلة، ما سيسرع تطوير التقنيات والمحاصيل التي يمكن أن يتبناها حتى أفقر المزارعين.

إضافة إلى ذلك، بدا من المبشر أن نرى تحالفاً من الممولين يتعهد بتقديم 575 مليون دولار (429 مليون جنيه استرليني) إلى "المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية" (القوة الرائدة في البحث والابتكار الزراعي الذي يحركه الطلب) كي تقدم حلولاً ذكية مناخياً للمزارعين في البلدان المنخفضة الدخل.

بالمقارنة بمؤتمرات المناخ السابقة، أبدى "كوب 26" اهتماماً أكثر من كل سابقيه بالنظم الغذائية والزراعة، وعلى الرغم من ذلك سيكون من السابق لأوانه الاحتفال بالأمر، لأن تغيير النظم الغذائية يجب أن يكون على رأس جدول أعمال مؤتمر "كوب 26". ووفقاً لـ"التحالف العالمي من أجل مستقبل الغذاء" Global Alliance for the Future of Food، غابت النظم الغذائية إلى حد كبير، مثلاً، عن "المساهمات المحددة وطنياً" التي تمثل مخططات البلدان في كيفية الحد من انبعاثات غازات الدفيئة.

وفي هذا السياق، يعمل التحالف على تقييم المساهمات المحددة وطنياً لـ14 دولة رئيسة بما في ذلك الصين ومصر وجنوب أفريقيا وكينيا، علماً أنه أكمل تقييم ثماني دول، من بينها المملكة المتحدة والولايات المتحدة وكولومبيا وبنغلاديش. وقد جاء ما وجده مثيراً للقلق. في الحقيقة، لم يقدم أي بلد تفسيراً كاملاً للانبعاثات المرتبطة بالواردات الغذائية، لا سيما تلك المتعلقة بإزالة الغابات.

في المقابل، تفردت ألمانيا في الإعراب عن التزام واضح بالابتعاد عن الإعانات الضارة، فيما اقترحت دولتان، كولومبيا وكينيا، تدابير طموحة بشأن اعتماد ممارسات زراعية مراعية للبيئة.

اليوم، يجب على قادة العالم التركيز بالتساوي على التكيف (مع تغير المناخ) والتخفيف (من تأثيراته). إذ سيؤدي الاستثمار بحكمة حاضراً في التكيف مع التغييرات الجارية بالفعل والاستعداد للصدمات المناخية المستقبلية، إلى منع حدوث خسائر وأضرار أكبر في السنوات المقبلة.

وإذا رغبنا حقاً في معالجة أزمة المناخ، فعلينا التفكير في الأنظمة الغذائية بأكملها. وهذا يعني عدم اقتصار الأمر على الأشجار واستخدام الأراضي والإنتاجية، بل النظر في سلسلة القيم ككل وإلى الأشخاص الذين يحافظون على استمرارها، من صغار المزارعين والعمال إلى موظفي خدمات الأغذية وسائقي التوصيل.

واستطراداً، فإن الزخم في مجال تغيير النظام الغذائي والزراعة المتكيفة مع تغير المناخ، الذي خلقته قمة الأمم المتحدة للأنظمة الغذائية في سبتمبر (أيلول) الماضي، يجب أن يستمر عبر "كوب 26"، بل يستمر حتى انعقاد "قمة التغذية من أجل النمو" في طوكيو الشهر المقبل التي تشكل لحظة مهمة أخرى لإعلان قادة العالم عن تعهداتهم.

قبل ست سنوات، في افتتاح الجلسة الرفيعة المستوى لـ"مؤتمر باريس المعني بتغير المناخ"، ذكرت أن "الوقت يجري كالسيف باتجاه كارثة مناخية". وتذكيراً، لقد أرسى "اتفاق باريس للمناخ" التاريخي الذي انبثق من ذلك المؤتمر، الأساس لعالم يسوده السلام والاستقرار والازدهار على المدى الطويل، ولكن هنالك عمل كثير ينبغي إنجازه.

في الواقع، إن وضع ممارسات زراعية أكثر اخضراراً وإنصافاً واستدامة في قلب العمل المناخي من شأنه أن يقطع شوطاً طويلاً نحو تحقيق أنظمة غذائية قادرة على التكيف مع تغير المناخ، تطاول الجميع بلا استثناء.

* نقلا عن "إندبندنت عربية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.